<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

القول في تأويل فاتحة الكتاب

( { الحمد لله } ) :

قال أبو جعفر : ومعنى ( الحمد لله ) : الشكر خالصا لله جل ثناؤه دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه ، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ، ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وغذاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم لذلك عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم . فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا .

وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جل ذكره وتقدست أسماؤه : ( الحمد لله ) ، جاء الخبر عن ابن عباس وغيره : -

151 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد صلى الله عليهما : قل يا محمد "الحمد لله " قال ابن عباس : "الحمد لله " : هو الشكر لله ، والاستخذاء لله ، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه ، وغير ذلك .

152 - وحدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، قال : حدثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير - وكانت له صحبة - قال : ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قلت "الحمد لله رب العالمين " ، فقد شكرت الله ، فزادك . )

قال : وقد قيل : إن قول القائل "الحمد لله " ، ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحسنى ، وقوله : "الشكر لله " ، ثناء عليه بنعمه وأياديه .

وقد روي عن كعب الأحبار أنه قال : "الحمد لله " ، ثناء على الله . ولم يبين في الرواية عنه ، من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك .

153 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثني عمر بن محمد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، قال : أخبرني السلولي ، عن كعب ، قال : من قال "الحمد لله " ، فذلك ثناء على الله .

154 - حدثني علي بن الحسن الخراز ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي ، قال : حدثنا محمد بن مصعب القرقساني ، عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس شيء أحب إليه الحمد ، من الله تعالى ، ولذلك أثنى على نفسه فقال : "الحمد لله " . )

قال أبو جعفر : ولا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحكم ، لقول القائل : "الحمد لله شكرا " - بالصحة . فقد تبين - إذ كان ذلك عند جميعهم صحيحا - أن الحمد لله قد ينطق به في موضع الشكر ، وأن الشكر قد يوضع موضع الحمد . لأن ذلك لو لم يكن كذلك ، لما جاز أن يقال "الحمد لله شكرا " ، فيخرج من قول القائل "الحمد لله " مصدر : "أشكر " ، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يصدر من الحمد غير معناه وغير لفظه .

فإن قال لنا قائل : وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد ؟ وهلا قيل : حمدا لله رب العالمين ؟

قيل : إن لدخول الألف واللام في الحمد ، معنى لا يؤديه قول القائل "حمدا " ، بإسقاط الألف واللام . وذلك أن دخولهما في الحمد منبئ عن أن معناه : جميع المحامد والشكر الكامل لله . ولو أسقطتا منه لما دل إلا على أن حمد قائل ذلك لله ، دون المحامد كلها . إذ كان معنى قول القائل : "حمدا لله " أو "حمد لله " : أحمد الله حمدا ، وليس التأويل في قول القائل : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، تاليا سورة أم القرآن : أحمد الله ، بل التأويل في ذلك ما وصفنا قبل ، من أن جميع المحامد لله بألوهيته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كفاء لها في الدين والدنيا ، والعاجل والآجل .

ولذلك من المعنى ، تتابعت قراءة القراء وعلماء الأمة على رفع الحمد من ( { الحمد لله رب العالمين } ) دون نصبها ، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك : أحمد الله حمدا . ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب ، لكان عندي محيلا معناه ، ومستحقا العقوبة على قراءته إياه كذلك ، إذا تعمد قراءته كذلك ، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله .

فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله "الحمد لله " ؟ أحمد الله نفسه جل ثناؤه فأثنى عليها ، ثم علمناه لنقول ذلك كما قال ووصف به نفسه ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فما وجه قوله تعالى ذكره إذا ( { إياك نعبد وإياك نستعين } ) وهو عز ذكره معبود لا عابد ؟ أم ذلك من قيل جبريل أو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد بطل أن يكون ذلك لله كلاما .

قيل : بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ، ولكنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهل ، ثم علم ذلك عباده ، وفرض عليهم تلاوته ، اختبارا منه لهم وابتلاء ، فقال لهم قولوا : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، وقولوا : ( { إياك نعبد وإياك نستعين } ) . فقوله ( { إياك نعبد } ) مما علمهم جل ذكره أن يقولوه ويدينوا له بمعناه ، وذلك موصول بقوله : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، وكأنه قال : قولوا هذا وهذا .

فإن قال : وأين قوله : "قولوا " ، فيكون تأويل ذلك ما ادعيت ؟

قيل : قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفت مكان الكلمة ، ولم تشك أن سامعها يعرف ، بما أظهرت من منطقها ، ما حذفت - حذف ما كفى منه الظاهر من منطقها ، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حذفت ، قولا أو تأويل قول ، كما قال الشاعر : وأعلم أنني سأكون رمسا إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم ؟ فقال المخبرون لهم : وزير

قال أبو جعفر : يريد بذلك ، فقال المخبرون لهم : الميت وزير ، فأسقط الميت ، إذ كان قد أتى من الكلام بما دل على ذلك . وكذلك قول الآخر : ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا

وقد علم أن الرمح لا يتقلد ، وإنما أراد : وحاملا رمحا ، ولكن لما كان معلوما معناه ، اكتفي بما قد ظهر من كلامه ، عن إظهار ما حذف منه . وقد يقولون للمسافر إذا ودعوه : "مصاحبا معافى " ، يحذفون "سر ، واخرج " ، إذ كان معلوما معناه ، وإن أسقط ذكره .

فكذلك ما حذف من قول الله تعالى ذكره : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، لما علم بقوله جل وعز : ( { إياك نعبد } ) ما أراد بقوله : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، من معنى أمره عباده ، أغنت دلالة ما ظهر عليه من القول عن إبداء ما حذف .

وقد روينا الخبر الذي قدمنا ذكره مبتدأ في تأويل قول الله : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، عن ابن عباس ، وأنه كان يقول : إن جبريل قال لمحمد : قل يا محمد : "الحمد لله رب العالمين " ، وبينا أن جبريل إنما علم محمدا ما أمر بتعليمه إياه . وهذا الخبر ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك .



القول في تأويل قوله : ( { رب } ) .

قال أبو جعفر : قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو "الله " ، في " بسم الله " ، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع .

وأما تأويل قوله ( رب ) ، فإن الرب في كلام العرب منصرف على معان : فالسيد المطاع فيها يدعى ربا ، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة : وأهلكن يوما رب كندة وابنه ورب معد ، بين خبت وعرعر

يعني برب كندة : سيد كندة . ومنه قول نابغة بني ذبيان : تخب إلى النعمان حتى تناله فدى لك من رب طريفي وتالدي

والرجل المصلح للشيء يدعى ربا ، ومنه قول الفرزدق بن غالب : كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت سلاءها في أديم غير مربوب

يعني بذلك : في أديم غير مصلح . ومن ذلك قيل : إن فلانا يرب صنيعته عند فلان; إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها ، ومن ذلك قول علقمة بن عبدة : فكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني ، فضعت ، ربوب

يعني بقوله : "أفضت إليك " أي وصلت إليك ربابتي ، فصرت أنت الذي ترب أمري فتصلحه ، لما خرجت من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك علي ، فضيعوا أمري وتركوا تفقده - وهم الربوب : واحدهم رب . والمالك للشيء يدعى ربه . وقد يتصرف أيضا معنى "الرب " في وجوه غير ذلك ، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة .

فربنا جل ثناؤه : السيد الذي لا شبه له ، ولا مثل في سؤدده ، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ، والمالك الذي له الخلق والأمر .

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جل ثناؤه ( رب العالمين ) ، جاءت الرواية عن ابن عباس : -

155 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد : "يا محمد قل : ( { الحمد لله رب العالمين } ) " ، قال ابن عباس : يقول : قل الحمد لله الذي له الخلق كله - السموات كلهن ومن فيهن ، والأرضون كلهن ومن فيهن وما بينهن ، مما يعلم ومما لا يعلم . يقول : اعلم يا محمد أن ربك هذا لا يشبهه شيء .



القول في تأويل قوله : ( { العالمين } ) .

قاله أبو جعفر : والعالمون جمع عالم ، والعالم : جمع لا واحد له من لفظه ، كالأنام والرهط والجيش ، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جماع لا واحد له من لفظه .

والعالم اسم لأصناف الأمم ، وكل صنف منها عالم ، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان . فالإنس عالم ، وكل أهل زمان منهم عالم ذلك الزمان . والجن عالم ، وكذلك سائر أجناس الخلق ، كل جنس منها عالم زمانه . ولذلك جمع فقيل : عالمون ، وواحده جمع ، لكون عالم كل زمان من ذلك عالم ذلك الزمان . ومن ذلك قول العجاج : فخندف هامة هذا العالم

فجعلهم عالم زمانه . وهذا القول الذي قلناه ، قول ابن عباس وسعيد بن جبير ، وهو معنى قول عامة المفسرين .

156 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( { الحمد لله رب العالمين } ) الحمد لله الذي له الخلق كله : السموات والأرضون ومن فيهن ، وما بينهن ، مما يعلم ولا يعلم .

157 - وحدثني محمد بن سنان القزاز ، قال حدثنا أبو عاصم ، عن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( رب العالمين ) : الجن والإنس .

158 - حدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قول الله جل وعز ( رب العالمين ) ، قال : رب الجن والإنس .

159 - حدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا قيس ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير : قوله : ( رب العالمين ) ، قال : الجن والإنس .

160 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي ، قال : حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قوله : ( رب العالمين ) قال : ابن آدم ، والجن والإنس ، كل أمة منهم عالم على حدته .

161 - حدثني محمد بن حميد ، قال : حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن مجاهد : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، قال : الإنس والجن .

162 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد بمثله .

163 - حدثنا بشر بن معاذ العقدي ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : ( رب العالمين ) قال : كل صنف عالم .

164 - حدثني أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر ، عن ربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : ( رب العالمين ) ، قال : الإنس عالم ، والجن عالم ، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم ، أو أربعة عشر ألف عالم - هو يشك - من الملائكة على الأرض ، وللأرض أربع زوايا ، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم ، خلقهم لعبادته .

165 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : ( رب العالمين ) قال : الجن والإنس .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 1-1 , الصفحة 135 - 146
counter free hit invisible