<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

الباب الخامس

في تفسير سورة الفاتحة ، وفيه فصول

الفصل الأول

في تفسير قوله تعالى : ( { الحمد لله } ) وفيه وجوه :

الأول : هاهنا ألفاظ ثلاثة : الحمد والمدح والشكر ، فنقول : الفرق بين الحمد والمدح من وجوه :

الأول : أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي ، ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ، ويستحيل أن يحمدها ، فثبت أن المدح أعم من الحمد .

الوجه الثاني في الفرق : أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان .

الوجه الثالث في الفرق : أن المدح قد يكون منهيا عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : " ( احثوا التراب في وجوه المداحين ) " أما الحمد فإنه مأمور به مطلقا ، قال صلى الله عليه وسلم : " ( من لم يحمد الناس لم يحمد الله ) " .

الوجه الرابع : أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصا بنوع من أنواع الفضائل ، وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة معينة ، وهي فضيلة الإنعام والإحسان . فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد .

وأما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك .

إذا عرفت هذا فنقول : قد ذكرنا أن المدح حاصل للحي ولغير الحي ، وللفاعل المختار ولغيره ، فلو قال : المدح لله لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلا مختارا ، أما لما قال : الحمد لله فهو يدل على كونه مختارا ، فقوله : ( { الحمد لله } ) يدل على كون هذا القائل مقرا بأن إله العالم ليس موجبا بالذات كما تقول الفلاسفة بل هو فاعل مختار ، وأيضا فقوله : الحمد لله أولى من قوله : الشكر لله ؛ لأن قوله : الحمد لله ثناء على الله بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره ، وأما الشكر لله فهو ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل ، ولا شك أن الأول أفضل ؛ لأن التقدير كأن العبد يقول : سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين ، وأنت مستحق للحمد العظيم ، وقيل : الحمد على ما دفع الله من البلاء ، والشكر على ما أعطى من النعماء .

فإن قيل : النعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء ، فلماذا ترك الأكثر وذكر الأقل ؟ قلنا فيه وجوه :

الأول : كأنه يقول : أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف لأعلاهما .

الثاني : المنع غير متناه ، والإعطاء متناه ، فكان الابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى .

الثالث : أن دفع الضرر أهم من جلب النفع ؛ فلهذا قدمه .

الفائدة الثانية : أنه تعالى لم يقل : أحمد الله ، ولكن قال : ( { الحمد لله } ) وهذه العبارة الثانية أولى ؛ لوجوه :

أحدها : أنه لو قال : أحمد الله ، أفاد ذلك كون ذلك القائل قادرا على حمده ، أما لما قال : ( { الحمد لله } ) فقد أفاد ذلك أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين ، فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا ، وسواء شكروا أو لم يشكروا ، فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم .

وثانيها : أن قولنا الحمد لله ، معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه ، فإنه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد ، فقولنا : الحمد لله معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ، ولو قال : أحمد الله ، لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد لذاته ، ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقا للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصا واحدا حمده .

وثالثها : أنه لو قال : أحمد الله لكان قد حمد ، لكن لا حمدا يليق به ، وأما إذا قال : الحمد لله ، فكأنه قال : من أنا حتى أحمده ؟ لكنه محمود بجميع حمد الحامدين ، مثاله ما لو سئلت : هل لفلان عليك نعمة ؟ فإن قلت : نعم ، فقد حمدته ولكن حمدا ضعيفا ، ولو قلت في الجواب : بل نعمه على كل الخلائق ، فقد حمدته بأكمل المحامد .

ورابعها : أن الحمد عبارة عن صفة القلب ، وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال ، فإذا تلفظ الإنسان بقوله : أحمد الله مع أنه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا ؛ لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامدا مع أنه ليس كذلك ، أما إذا قال : الحمد لله ، سواء كان غافلا أو مستحضرا لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقا ؛ لأن معناه أن الحمد حق لله وملكه ، وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلا بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن ، فثبت أن قوله : الحمد لله أولى من قوله : أحمد الله ، ونظيره قولنا : لا إله إلا الله ، فإنه لا يدخله التكذيب ، بخلاف قولنا : أشهد أن لا إله إلا الله ؛ لأنه قد يكون كاذبا في قوله : أشهد ؛ ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين : ( { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ) [ المنافقون : 1 ] ولهذا السر أمر في الأذان بقوله : أشهد ، ثم وقع الختم على قوله : لا إله إلا الله .

الفائدة الثالثة : اللام في قوله : الحمد لله يحتمل وجوها كثيرة :

أحدها : الاختصاص اللائق كقولك : الجل للفرس .

وثانيها : الملك كقولك : الدار لزيد .

وثالثها : القدرة والاستيلاء ، كقولك : البلد للسلطان ، واللام في قولك : الحمد لله يحتمل هذه الوجوه الثلاثة ، فإن حملته على الاختصاص اللائق فمن المعلوم أنه لا يليق الحمد إلا به لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه ، وإن حملته على الملك فمعلوم أنه تعالى مالك للكل ، فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده ، وإن حملته على الاستيلاء والقدرة فالحق سبحانه وتعالى كذلك ؛ لأنه واجب لذاته ، وما سواه ممكن لذاته ، والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته ، فالحمد لله بمعنى أن الحمد لا يليق إلا به ، وبمعنى أن الحمد ملكه وملكه ، وبمعنى أنه هو المستولي على الكل والمستعلي على الكل .

الفائدة الرابعة : قوله : ( { الحمد لله } ) ثمانية أحرف ، وأبواب الجنة ثمانية ، فمن قال هذه الثمانية عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة .

الفائدة الخامسة : الحمد لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، وفيه قولان :

الأول : أنه إن كان مسبوقا بمعهود سابق انصرف إليه ، وإلا يحمل على الاستغراق ؛ صونا للكلام عن الإجمال .

والقول الثاني : أنه لا يفيد العموم إلا أنه يفيد الماهية والحقيقة فقط . إذا عرفت هذه فنقول : قوله : ( { الحمد لله } ) إن قلنا بالقول الأول أفاد أن كل ما كان حمدا وثناء فهو لله وحقه وملكه ، وحينئذ يلزم أن يقال : إن ما سوى الله فإنه لا يستحق الحمد والثناء البتة ، وإن قلنا بالقول الثاني كان معناه أن ماهية الحمد حق لله تعالى وملك له ، وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهية لغير الله ، فثبت على القولين أن قوله : ( { الحمد لله } ) ينفي حصول الحمد لغير الله .

فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه ، والأستاذ يستحق الحمد من التلميذ ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية ، وقال عليه السلام : من لم يحمد الناس لم يحمد الله .

قلنا : إن كل من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة هو الله تعالى ؛ لأنه لولا أنه تعالى خلق تلك الداعية في قلب ذلك المنعم ، وإلا لم يقدم على ذلك الإنعام ، ولولا أنه تعالى خلق تلك النعمة وسلط ذلك المنعم عليها ، ومكن المنعم عليه من الانتفاع - لما حصل الانتفاع بتلك النعمة ، فثبت أن المنعم في الحقيقة هو الله .



الفائدة السادسة : أن قوله : الحمد لله كما دل على أنه لا محمود إلا الله ، فكذلك العقل دل عليه ، وبيانه من وجوه :

الأول : أنه تعالى لو لم يخلق داعية الإنعام في قلب المنعم لم ينعم ، فيكون المنعم في الحقيقة هو الله الذي خلق تلك الداعية .

وثانيها : أن كل من أنعم على الغير فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضا ؛ إما ثوابا ، أو ثناء ، أو توصيل حق ، أو تخليصا للنفس من خلق البخل ، وطالب العوض لا يكون منعما ، فلا يكون مستحقا للحمد في الحقيقة ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته ، والكامل لذاته لا يطلب الكمال ؛ لأن تحصيل الحاصل محال ، فكانت عطاياه جودا محضا وإحسانا محضا ، فلا جرم كان مستحقا للحمد ، فثبت أنه لا يستحق الحمد إلا الله تعالى .

وثالثها : أن كل نعمة فهي من الموجودات الممكنة الوجود ، وكل ممكن الوجود فإنه وجد بإيجاد الحق إما ابتداء وإما بواسطة ، ينتج أن كل نعمة فهي من الله تعالى ، ويؤكد ذلك بقوله تعالى : ( { وما بكم من نعمة فمن الله } ) [ النحل : 53 ] والحمد لا معنى له إلا الثناء على الإنعام ، فلما كان لا إنعام إلا من الله تعالى وجب القطع بأن أحدا لا يستحق الحمد إلا الله تعالى .

ورابعها : النعمة لا تكون كاملة إلا عند اجتماع أمور ثلاثة :

أحدها : أن تكون منفعة ، والانتفاع بالشيء مشروط بكونه حيا مدركا ، وكونه حيا مدركا لا يحصل إلا بإيجاد الله تعالى .

وثانيها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت خالية عن شوائب الضرر والغم ، وإخلاء المنافع عن شوائب الضرر لا يحصل إلا من الله تعالى .

وثالثها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت آمنة من خوف الانقطاع ، وهذا الأمر لا يحصل إلا من الله تعالى ، إذا ثبت هذا فالنعمة الكاملة لا تحصل إلا من الله تعالى ، فوجب أن لا يستحق الحمد الكامل إلا الله تعالى ، فثبت بهذه البراهين صحة قوله تعالى : ( { الحمد لله } ) .

الفائدة السابعة : قد عرفت أن الحمد عبارة عن مدح الغير بسبب كونه منعما متفضلا ، وما لم يحصل شعور الإنسان بوصول النعمة إليه امتنع تكليفه بالحمد والشكر ، إذا عرفت هذا فنقول : وجب كون الإنسان عاجزا عن حمد الله وشكره ، ويدل عليه وجوه :

الأول : أن نعم الله على الإنسان كثيرة لا يقوى عقل الإنسان على الوقوف عليها ، كما قال تعالى : ( { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ) [ إبراهيم : 34 ] وإذا امتنع وقوف الإنسان عليها امتنع اقتداره على الحمد والشكر والثناء اللائق بها .

الثاني : أن الإنسان إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله تعالى على ذلك الحمد والشكر ، وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد والشكر ، وإذا زال عنه العوائق والحوائل ، فكل ذلك إنعام من الله تعالى ، فعلى هذا لا يمكنه القيام بشكر الله تعالى إلا بواسطة نعم عظيمة من الله تعالى عليه ، وتلك النعم أيضا توجب الشكر ، وعلى هذا التقدير : فالعبد لا يمكنه الإتيان بالشكر والحمد إلا عند الإتيان به مرارا لا نهاية لها ، وذلك محال ، والموقوف على المحال محال ، فكان الإنسان يمتنع منه الإتيان بحمد الله وبشكره على ما يليق به ، الثالث : أن الحمد والشكر ليس معناه مجرد قول القائل بلسانه : الحمد لله ؛ بل معناه علم المنعم عليه بكون المنعم موصوفا بصفات الكمال والجلال ، وكل ما خطر ببال الإنسان من صفات الكمال والجلال فكمال الله وجلاله أعلى وأعظم من ذلك المتخيل والمتصور ، وإذا كان كذلك امتنع كون الإنسان آتيا بحمد الله وشكره وبالثناء عليه . الرابع : أن الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل الإنعام الصادر من المنعم بشكر نفسه وبحمد نفسه وذلك بعيد لوجوه :

أحدها : أن نعم الله كثيرة لا حد لها ، فمقابلتها بهذا الاعتقاد الواحد وبهذه اللفظة الواحدة في غاية البعد .

وثانيها : أن من اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعم الله تعالى فقد أشرك ، وهذا معنى قول الواسطي الشكر شرك .

وثالثها : أن الإنسان محتاج إلى إنعام الله في ذاته وفي صفاته وفي أحواله ، والله تعالى غني عن شكر الشاكرين وحمد الحامدين ، فكيف يمكن مقابلة نعم الله بهذا الشكر وبهذا الحمد ، فثبت بهذه الوجوه أن العبد عاجز عن الإتيان بحمد الله وبشكره ، فلهذه الدقيقة لم يقل احمدوا الله ، بل قال : الحمد لله ؛ لأنه لو قال احمدوا الله فقد كلفهم ما لا طاقة لهم به ، أما لما قال : الحمد لله كان المعنى أن كمال الحمد حقه وملكه ، سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا عليه ؛ ونقل أن داود عليه السلام قال : يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي ، وهو أن توفقني لذلك الشكر ؟ فقال : يا داود ، لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك .

الفائدة الثامنة : عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( إذا أنعم الله على عبده نعمة فيقول العبد : الحمد لله ، فيقول الله تعالى : انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة له ) ، وتفسيره أن الله إذا أنعم على العبد كان ذلك الإنعام أحد الأشياء المعتادة مثل أنه كان جائعا فأطعمه ، أو كان عطشانا فأرواه ، أو كان عريانا فكساه ، أما إذا قال العبد : الحمد لله كان معناه أن كل حمد أتى به أحد من الحامدين فهو لله ، وكل حمد لم يأت به أحد من الحامدين وأمكن في حكم العقل دخوله في الوجود فهو لله ، وذلك يدخل فيه جميع المحامد التي ذكرها ملائكة العرش والكرسي وساكنو أطباق السماوات ، وجميع المحامد التي ذكرها جميع الأنبياء من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم ، وجميع المحامد التي ذكرها جميع الأولياء والعلماء ، وجميع الخلق وجميع المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قولهم : ( { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } ) [ يونس : 10 ] ثم جميع هذه المحامد متناهية ، وأما المحامد التي لا نهاية لها هي التي سيأتون بها أبد الآباد ودهر الداهرين ، فكل هذه الأقسام التي لا نهاية لها داخلة تحت قول العبد : ( { الحمد لله رب العالمين } ) فلهذا السبب قال تعالى : ( انظروا إلى عبدي قد أعطيته نعمة واحدة لا قدر لها ، فأعطاني من الشكر ما لا حد له ولا نهاية له ) .

أقول : هاهنا دقيقة أخرى ، وهي أن نعم الله تعالى على العبد في الدنيا متناهية ، وقوله : الحمد لله حمد غير متناه ، ومعلوم أن غير المتناهي إذا سقط منه المتناهي بقي الباقي غير متناه ، فكأنه تعالى يقول : عبدي ، إذا قلت : الحمد لله في مقابلة تلك النعمة فالذي بقي لك من تلك الكلمة طاعات غير متناهية ، فلا بد من مقابلتها بنعمة غير متناهية ؛ فلهذا السبب يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي ، فثبت أن قول العبد لله يوجب سعادات لا آخر لها وخيرات لا نهاية لها .



الفائدة التاسعة : لا شك أن الوجود خير من العدم ، والدليل عليه أن كل موجود حي فإنه يكره عدم نفسه ، ولولا أن الوجود خير من العدم وإلا لما كان كذلك ، وإذا ثبت هذا فنقول وجود كل شيء ما سوى الله تعالى فإنه حصل بإيجاد الله وجوده وفضله وإحسانه ، وقد ثبت أن الوجود نعمة ، فثبت أنه لا موجود في عالم الأرواح والأجسام والعلويات والسفليات إلا ولله عليه نعمة ورحمة وإحسان ، والنعمة والرحمة والإحسان موجبة للحمد والشكر ، فإذا قال العبد : الحمد لله فليس مراده : الحمد لله على النعم الواصلة إلي ، بل المراد : الحمد لله على النعم الصادرة منه ، وقد بينا أن إنعامه واصل إلى كل ما سواه ، فإذا قال العبد : الحمد لله ، كان معناه : الحمد لله على إنعامه على كل مخلوق خلقه ، وعلى كل محدث أحدثه من نور ، وظلمة ، وسكون ، وحركة ، وعرش ، وكرسي ، وجني ، وإنسي ، وذات ، وصفة ، وجسم ، وعرض ، إلى أبد الآباد ودهر الداهرين ، وأنا أشهد أنها بأسرها حقك وملكك وليس لأحد معك فيها شركة ومنازعة .

الفائدة العاشرة : لقائل أن يقول : التسبيح مقدم على التحميد ؛ لأنه يقال : سبحان الله والحمد لله فما السبب هاهنا في وقوع البداية بالتحميد ؟ والجواب أن التحميد يدل على التسبيح دلالة التضمن ، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات ، والتحميد يدل مع حصول تلك الصفة على كونه محسنا إلى الخلق منعما عليهم رحيما بهم ، فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تاما ، والتحميد يدل على كونه تعالى فوق التمام ؛ فلهذا السبب كان الابتداء بالتحميد أولى ، وهذا الوجه مستفاد من القوانين الحكمية ، وأما الوجه اللائق بالقوانين الأصولية فهو أن الله تعالى لا يكون محسنا بالعباد إلا إذا كان عالما بجميع المعلومات ليعلم أصناف حاجات العباد ، وإلا إذا كان قادرا على كل المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه ، وإلا إذا كان غنيا عن كل الحاجات ، إذ لو لم يكن كذلك لكان اشتغاله بدفع الحاجة عن نفسه يمنعه عن دفع حاجة العبد ، فثبت أن كونه محسنا لا يتم إلا بعد كونه منزها عن النقائص والآفات ، فثبت أن الابتداء بقوله : الحمد لله أولى من الابتداء بقوله : سبحان الله .

الفائدة الحادية عشرة : الحمد لله له تعلق بالماضي وتعلق بالمستقبل ، أما تعلقه بالماضي فهو أنه يقع شكرا على النعم المتقدمة ، وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل ؛ لقوله تعالى : ( { لئن شكرتم لأزيدنكم } ) [ إبراهيم : 7 ] والعقل أيضا يدل عليه ، وهو أن النعم السابقة توجب الإقدام على الخدمة والقيام بالطاعة ، ثم إذا اشتغل بالشكر انفتحت على العقل والقلب أبواب نعم الله تعالى ، وأبواب معرفته ومحبته ، وذلك من أعظم النعم ؛ فلهذا المعنى كان الحمد بسبب تعلقه بالماضي يغلق عنك أبواب النيران ، وبسبب تعلقه بالمستقبل يفتح لك أبواب الجنان ، فتأثيره في الماضي سد أبواب الحجاب عن الله تعالى ؛ وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة الله تعالى ، ولما كان لا نهاية لدرجات الله فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة الله ، ولا مفتاح لها إلا قولنا : الحمد لله ؛ فلهذا السبب سميت سورة الحمد بسورة الفاتحة .

الفائدة الثانية عشرة : الحمد لله كلمة شريفة جليلة لكن لا بد من ذكرها في موضعها وإلا لم يحصل المقصود منها ، قيل للسري السقطي : كيف يجب الإتيان بالطاعة ؟ قال : أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر الله عن قولي مرة واحدة : الحمد لله . فقيل كيف ذلك ؟ قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدكاكين والدور ، فأخبروني أن دكاني لم يحترق فقلت : الحمد لله ، وكان معناه أني فرحت ببقاء دكاني حال احتراق دكاكين الناس ، وكان حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك ، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي : الحمد لله ، فثبت بهذا أن هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلا أنه يجب رعاية موضعها ، ثم إن نعم الله على العبد كثيرة ، إلا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدنيا ، ونعم الدين ، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا ؛ لوجوه كثيرة ، وقولنا : الحمد لله كلمة جليلة شريفة ، فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها في مقابلة نعم الدنيا ، بل يجب أن لا يذكرها إلا عند الفوز بنعم الدين ، ثم نعم الدين قسمان : أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب ، والقسم الثاني أشرف ، ثم نعم الدنيا قسمان : تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم ، وتارة تعتبر من حيث إنها عطية المنعم ، والقسم الثاني أشرف ، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا : الحمد لله موافقا لموضعه لائقا بسببه .

الفائدة الثالثة عشرة : أول كلمة ذكرها أبونا آدم هو قوله : الحمد لله ، وآخر كلمة يذكرها أهل الجنة هو قولنا : الحمد لله ، أما الأول فلأنه لما بلغ الروح إلى سرته عطس فقال : الحمد لله رب العالمين ، وأما الثاني فهو قوله تعالى : ( { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } ) [ يونس : 10 ] ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد ، فاجتهد حتى يكون أول أعمالك وآخرها مقرونا بهذه الكلمة ، فإن الإنسان عالم صغير ، فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير .

الفائدة الرابعة عشرة : من الناس من قال : تقدير الكلام : قولوا : الحمد لله ، وهذا عندي ضعيف ؛ لأن الإضمار إنما يصار إليه ليصح الكلام ، وهذا الإضمار يوجب فساد الكلام والذي يدل عليه وجوه :

الأول : أن قوله : الحمد لله إخبار عن كون الحمد حقا له وملكا له ، وهذا كلام تام في نفسه فلا حاجة إلى الإضمار .

الثاني : أن قوله : الحمد لله يدل على كونه تعالى مستحقا للحمد بحسب ذاته وبحسب أفعاله سواء حمدوه أو لم يحمدوه ؛ لأن ما بالذات أعلى وأجل مما بالغير .

الثالث : ذكروا مسألة في الواقعات وهي أنه لا ينبغي للوالد أن يقول لولده : اعمل كذا وكذا ؛ لأنه يجوز أن لا يمتثل أمره فيأثم ، بل يقول : إن كذا وكذا يجب أن يفعل ، ثم إذا كان الولد كريما فإنه يجيب ويطيعه ، وإن كان عاقا لم يشافهه بالرد ، فيكون إثمه أقل ، فكذلك هاهنا قال الله تعالى : الحمد لله ، فمن كان مطيعا حمده ، ومن كان عاصيا إثمه أقل .



الفائدة الخامسة عشرة : تمسكت الجبرية والقدرية بقوله : الحمد لله ؛ أما الجبرية فقد تمسكوا به من وجوه :

الأول : أن كل من كان فعله أشرف وأكمل ، وكانت النعمة الصادرة عنه أعلى وأفضل ، كان استحقاقه للحمد أكثر ، ولا شك أن أشرف المخلوقات هو الإيمان ، فلو كان الإيمان فعلا للعبد لكان استحقاق العبد للحمد أولى وأجل من استحقاق الله له ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الإيمان حصل بخلق الله لا بخلق العبد .

الثاني : أجمعت الأمة على قولهم : الحمد لله على نعمة الإيمان ، لو كان الإيمان فعلا للعبد وما كان فعلا لله لكان قولهم : الحمد لله على نعمة الإيمان باطلا ، فإن حمد الفاعل على ما لا يكون فعلا له باطل قبيح ؛ لقوله تعالى : ( { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } ) [ آل عمران : 188 ] .

الثالث : أنا قد دللنا على أن قوله : الحمد لله يدل ظاهره على أن كل الحمد لله ، وأنه ليس لغير الله حمد أصلا ، وإنما يكون كل الحمد لله لو كان كل النعم من الله ، والإيمان أفضل النعم ، فوجب أن يكون الإيمان من الله .

الرابع : أن قوله : الحمد لله مدح منه لنفسه ، ومدح النفس مستقبح فيما بين الخلق ، فلما بدأ كتابه بمدح النفس دل ذلك على أن حاله بخلاف حال الخلق ، وأنه يحسن من الله ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه تعالى مقدس عن أن تقاس أفعاله على أفعال الخلق ، فقد تقبح أشياء من العباد ولا تقبح تلك الأشياء من الله تعالى ، وهذا يهدم أصول الاعتزال بالكلية .

والخامس : أن عند المعتزلة أفعاله تعالى يجب أن تكون حسنة ، ويجب أن تكون لها صفة زائدة على الحسن ، وإلا كانت عبثا ، وذلك في حقه محال ، والزائدة على الحسن إما أن تكون واجبة ، وإما أن تكون من باب التفضل : أما الواجب فهو مثل إيصال الثواب والعوض إلى المكلفين ، وأما الذي يكون من باب التفضل فهو مثل أنه يزيد على قدر الواجب على سبيل الإحسان ، فنقول : هذا يقدح في كونه تعالى مستحقا للحمد ويبطل صحة قولنا : الحمد لله ، وتقريره أن نقول : أما أداء الواجبات فإنه لا يفيد استحقاق الحمد ، ألا ترى أن من كان له على غيره دين دينار فأداه فإنه لا يستحق الحمد ، فلو وجب على الله فعل لكان ذلك الفعل مخلصا له عن الذم ولا يوجب استحقاقه للحمد ، وأما فعل التفضل فعند الخصم أنه يستفيد بذلك مزيد حمد ؛ لأنه لو لم يصدر عنه ذلك الفعل لما حصل له ذلك الحمد ، وإذا كان كذلك كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره ، وذلك يمنع من كونه تعالى مستحقا للحمد والمدح .

السادس : قوله : ( { الحمد لله } ) يدل على أنه تعالى محمود ، فنقول : استحقاقه الحمد والمدح إما أن يكون أمرا ثابتا له لذاته أو ليس ثابتا لذاته ، فإن كان الأول امتنع أن يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق المدح ؛ لأن ما ثبت لذاته امتنع ثبوته لغيره ، وامتنع أيضا أن يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق الذم ؛ لأن ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه بسبب غيره ، وإذا كان كذلك لم يتقرر في حقه تعالى وجوب شيء عليه ، فوجب أن لا يجب للعباد عليه شيء من الأعواض والثواب ، وذلك يهدم أصول المعتزلة ، وأما القسم الثاني - وهو أن يكون استحقاق الحمد لله ليس ثابتا له لذاته - فنقول : فيلزم أن يكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره ، وذلك على الله محال ، أما المعتزلة فقالوا : إن قوله : الحمد لله لا يتم إلا على قولنا ؛ لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبيح في فعله ، ولا جور في أقضيته ، ولا ظلم في أحكامه ، وعندنا أن الله تعالى كذلك ، فكان مستحقا لأعظم المحامد والمدائح ، أما على مذهب الجبرية لا قبيح إلا وهو فعله ، ولا جور إلا وهو حكمه ، ولا عبث إلا وهو صنعه ؛ لأنه يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ، ويؤلم الحيوانات من غير أن يعوضها ، فكيف يعقل على هذا التقدير كونه مستحقا للحمد ؟ وأيضا فذلك الحمد الذي يستحقه الله تعالى بسبب الإلهية إما أن يستحقه على العبد ، أو على نفسه ، فإن كان الأول وجب كون العبد قادرا على الفعل ، وذلك يبطل القول بالجبر ، وإن كان الثاني كان معناه أن الله يجب عليه أن يحمد نفسه ، وذلك باطل ، قالوا : فثبت أن القول بالحمد لله لا يصح إلا على قولنا .

الفائدة السادسة عشرة : اختلفوا في أن وجوب الشكر ثابت بالعقل أو بالسمع ؛ من الناس من قال : إنه ثابت بالسمع ؛ لقوله تعالى : ( { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ) [ الإسراء : 15 ] ولقوله تعالى : ( { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ) [ النساء : 165 ] ومنهم من قال : إنه ثابت قبل مجيء الشرع وبعد مجيئه على الإطلاق ، والدليل عليه قوله تعالى : ( { الحمد لله } ) وبيانه من وجوه :

الأول : أن قوله : ( { الحمد لله } ) يدل أن هذا الحمد حقه وملكه على الإطلاق ، وذلك يدل على ثبوت هذا الاستحقاق قبل مجيء الشرع .

الثاني : أنه تعالى قال : ( { الحمد لله رب العالمين } ) وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فهاهنا أثبت الحمد لنفسه ، ووصف نفسه بكونه تعالى ربا للعالمين رحمانا رحيما بهم ، مالكا لعاقبة أمرهم في القيامة ، فهذا يدل على أن استحقاق الحمد إنما يحصل لكونه تعالى مربيا لهم رحمانا رحيما بهم ، وإذا كان كذلك ثبت أن استحقاق الحمد ثابت لله تعالى في كل الأوقات سواء كان قبل مجيء النبي أو بعده .

الفائدة السابعة عشرة : يجب علينا أن نبحث عن حقيقة الحمد وماهيته فنقول : تحميد الله تعالى ليس عبارة عن قولنا : الحمد لله ؛ لأن قولنا : الحمد لله إخبار عن حصول الحمد ، والإخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه ، فوجب أن يكون تحميد الله مغايرا لقولنا : الحمد لله ، فنقول : حمد المنعم عبارة عن كل فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما . وذلك الفعل إما أن يكون فعل القلب ، أو فعل اللسان ، أو فعل الجوارح ، أما فعل القلب فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفا بصفات الكمال والإجلال ، وأما فعل اللسان فهو أن يذكر ألفاظا دالة على كونه موصوفا بصفات الكمال ، وأما فعل الجوارح فهو أن يأتي بأفعال دالة على كون ذلك المنعم موصوفا بصفات الكمال والإجلال ، فهذا هو المراد من الحمد ، واعلم أن أهل العلم افترقوا في هذا المقام فريقين : الفريق الأول : الذين قالوا : إنه لا يجوز أن يأمر الله عبيده بأن يحمدوه ، واحتجوا عليه بوجوه :

الأول : أن ذلك التحميد إما أن يكون بناء على إنعام وصل إليهم أو لا ، وبناء عليه ، فالأول باطل ؛ لأن هذا يقتضي أنه تعالى طلب منهم على إنعامه جزاء ومكافأة ، وذلك يقدح في كمال الكرم ، فإن الكريم إذا أنعم لم يطلب المكافأة ، وأما الثاني فهو إتعاب للغير ابتداء ، وذلك يوجب الظلم .

الثاني : قالوا : الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد وغير نافع للمحمود ؛ لأنه كامل لذاته والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره ، فثبت أن الاشتغال بهذا التحميد عبث وضرر ، فوجب أن لا يكون مشروعا .

الثالث : أن معنى الإيجاب هو أنه لو لم يفعل لاستحق العقاب ، فإيجاب حمد الله تعالى معناه أنه قال : لو لم تشتغل بهذا الحمد لعاقبتك ، وهذا الحمد لا نفع له في حق الله ، فكان معناه أن هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد ، ولو تركته لعاقبتك أبد الآباد ، وهذا لا يليق بالحكم الكريم . الفريق الثاني : قالوا : الاشتغال بحمد الله سوء أدب من وجوه :

الأول : أنه يجري مجرى مقابلة إحسان الله بذلك الشكر القليل .

والثاني : أن الاشتغال بالشكر لا يتأتى إلا مع استحضار تلك النعم في القلب واشتغال القلب بالنعم يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم .

الثالث : أن الثناء على الله تعالى عند وجدان النعمة يدل على أنه إنما أثنى عليه لأجل الفوز بتلك النعم ، وذلك يدل على أن مقصوده من العبادة والحمد والثناء الفوز بتلك النعم ، وهذا الرجل في الحقيقة معبوده ومطلوبه إنما هو تلك النعمة وحظ النفس ، وذلك مقام نازل ، والله أعلم .



الفصل الثاني

في تفسير قوله : { رب العالمين } ، وفيه فوائد

الفائدة الأولى : اعلم أن الموجود إما أن يكون واجبا لذاته ، وإما أن يكون ممكنا لذاته ، أما الواجب لذاته فهو الله تعالى فقط ، وأما الممكن لذاته فهو كل ما سوى الله تعالى وهو العالم ؛ لأن المتكلمين قالوا : العالم كل موجود سوى الله ، وسبب تسمية هذا القسم بالعالم أن وجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله تعالى ، فلهذا السبب سمي كل موجود سوى الله بأنه عالم . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزا ، وإما أن يكون صفة للمتحيز ، وإما أن لا يكون متحيزا ، ولا صفة للمتحيز ، فهذه أقسام ثلاثة :

القسم الأول المتحيز : وهو إما أن يكون قابلا للقسمة ، أو لا يكون ، فإن كان قابلا للقسمة فهو الجسم ، وإن لم يكن كذلك فهو الجوهر الفرد ؛ أما الجسم فإما أن يكون من الأجسام العلوية أو من الأجسام السفلية ؛ أما الأجسام العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، وقد ثبت بالشرع أشياء أخر سوى هذين القسمين ، مثل العرش ، والكرسي ، وسدرة المنتهى ، واللوح ، والقلم ، والجنة ، وأما الأجسام السفلية فهي إما بسيطة أو مركبة : أما البسيطة فهي العناصر الأربعة :

وأحدها : كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال والبلاد المعمورة .

وثانيها : كرة الماء وهي البحر المحيط وهذه الأبحر الكبيرة الموجودة في هذا الربع المعمور وما فيه من الأودية العظيمة التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى .

وثالثها : كرة الهواء .

ورابعها : كرة النار . وأما الأجسام المركبة فهي النبات ، والمعادن ، والحيوان ، على كثرة أقسامها وتباين أنواعها .

وأما القسم الثاني - وهو الممكن الذي يكون صفة للمتحيزات - فهي الأعراض ، والمتكلمون ذكروا ما يقرب من أربعين جنسا من أجناس الأعراض .

أما الثالث - وهو الممكن الذي لا يكون متحيزا ولا صفة للمتحيز - فهو الأرواح ، وهي إما سفلية ، وإما علوية : أما السفلية فهي إما خيرة ، وهم صالحو الجن ، وإما شريرة خبيثة وهي مردة الشياطين . والأرواح العلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية ، وإما غير متعلقة بالأجسام ، وهي الأرواح المطهرة المقدسة ، فهذا هو الإشارة إلى تقسيم موجودات العالم ، ولو أن الإنسان كتب ألف ألف مجلد في شرح هذه الأقسام لما وصل إلى أقل مرتبة من مراتب هذه الأقسام ، إلا أنه لما ثبت أن واجب الوجود لذاته واحد ، ثبت أن كل ما سواه ممكن لذاته ، فيكون محتاجا في وجوده إلى إيجاد الواجب لذاته ، وأيضا ثبت أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المبقي ، والله تعالى إله العالمين من حيث إنه هو الذي أخرجها من العدم إلى الوجود ، وهو رب العالمين من حيث إنه هو الذي يبقيها حال دوامها واستقرارها . وإذا عرفت ذلك ظهر عندك شيء قليل من تفسير قوله : الحمد لله رب العالمين ، وكل من كان أكثر إحاطة بأحوال هذه الأقسام الثلاثة كان أكثر وقوفا على تفسير قوله : ( { رب العالمين } ) .

الفائدة الثانية : المربي على قسمين أحدهما : أن يربي شيئا ليربح عليه المربي ، والثاني : أن يربيه ليربح المربي ، وتربية كل الخلق على القسم الأول ؛ لأنهم إنما يربون غيرهم ليربحوا عليه إما ثوابا أو ثناء ، والقسم الثاني هو الحق سبحانه ، كما قال : خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم فهو تعالى يربي ويحسن ، وهو بخلاف سائر المربين وبخلاف سائر المحسنين .

واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره ، وبيانه من وجوه :

الأول : ما ذكرناه أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه بل لغرضهم ، وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم .

الثاني : أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله ، وهو تعالى متعال عن النقصان والضرر ، كما قال تعالى : ( { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ) [ الحجر : 21 ] .

الثالث : أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه ، والحق تعالى بخلاف ذلك ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء ) .

الرابع : أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط ، أما الحق تعالى فأنه يعطي قبل السؤال ، ترى أنه رباك حال ما كنت جنينا في رحم الأم ، وحال ما كنت جاهلا غير عاقل ، لا تحسن أن تسأل منه ، ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته ، وما كان لك عقل ولا هداية .

الخامس : أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت ، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة .

السادس : أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم ، أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل ، كما قال : ( { ورحمتي وسعت كل شيء } ) [ الأعراف : 156 ] فثبت أنه تعالى رب العالمين ، ومحسن إلى الخلائق أجمعين ؛ فلهذا قال تعالى في حق نفسه : { الحمد لله رب العالمين } .

الفائدة الثالثة : أن الذي يحمد ويمدح ويعظم في الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة :

إما لكونه كاملا في ذاته وفي صفاته منزها عن جميع النقائص والآفات وإن لم يكن منه إحسان إليك .

وإما لكونه محسنا إليك ومنعما عليك .

وإما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك في المستقبل من الزمان .

وإما لأجل أنك تكون خائفا من قهره وقدرته وكمال سطوته ، فهذه الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين ، وهو المراد من قوله : { الحمد لله } ، وإن كنتم ممن تعظمون الإحسان فأنا رب العالمين ، وإن كنتم تعظمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم ، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين .

الفائدة الرابعة : وجوه تربية الله للعبد كثيرة غير متناهية ، ونحن نذكر منها أمثلة :

المثال الأول : لما وقعت قطرة النطفة من صلب الأب إلى رحم الأم فانظر كيف أنها صارت علقة أولا ، ثم مضغة ثانيا ، ثم تولدت منها أعضاء مختلفة مثل العظام والغضاريف والرباطات والأوتار والأوردة والشرايين ، ثم اتصل البعض بالبعض ، ثم حصل في كل واحد منها نوع خاص من أنواع القوى ، فحصلت القوة الباصرة في العين ، والسامعة في الأذن ، والناطقة في اللسان ، فسبحان من أسمع بعظم ، وبصر بشحم ، وأنطق بلحم . واعلم أن كتاب التشريح لبدن الإنسان مشهور ، وكل ذلك يدل على تربية الله تعالى للعبد .

المثال الثاني : أن الحبة الواحدة إذا وقعت في الأرض فإذا وصلت نداوة الأرض إليها انتفخت ولا تنشق من شيء من الجوانب إلا من أعلاها وأسفلها ، مع أن الانتفاخ حاصل من جميع الجوانب : أما الشق الأعلى فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة ؛ وأما الشق الأسفل فيخرج منه الجزء الغائص في الأرض ، وهو عروق الشجرة ، فأما الجزء الصاعد فبعد صعوده يحصل له ساق ، ثم ينفصل من ذلك الساق أغصان كثيرة ، ثم يظهر على تلك الأغصان الأنوار أولا ، ثم الثمار ثانيا ، ويحصل لتلك الثمار أجزاء مختلفة بالكثافة واللطافة ، وهي القشور ثم اللبوب ثم الأدهان ، وأما الجزء الغائص من الشجرة فإن تلك العروق تنتهي إلى أطرافها ؛ وتلك الأطراف تكون في اللطافة كأنها مياه منعقدة ، ومع غاية لطافتها فإنها تغوص في الأرض الصلبة الخشنة ، وأودع الله فيها قوى جاذبة تجذب الأجزاء اللطيفة من الطين إلى نفسها ، والحكمة في كل هذه التدبيرات تحصيل ما يحتاج العبد إليه من الغذاء والأدام والفواكه والأشربة والأدوية ، كما قال تعالى : ( { أنا صببنا الماء صبا } { ثم شققنا الأرض شقا } ) [ عبس : 25 ، 26 ] الآيات . المثال الثالث : أنه وضع الأفلاك والكواكب بحيث صارت أسبابا لحصول مصالح العباد ، فخلق الليل ليكون سببا للراحة والسكون ، وخلق النهار ليكون سببا للمعاش والحركة ( { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } ) [ يونس : 5 ] ، ما خلق الله ذلك إلا بالحق ، ( { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } ) [ الأنعام : 97 ] واقرأ قوله : ( { ألم نجعل الأرض مهادا } { والجبال أوتادا } ) - إلى آخر الآية [ النبأ : 6 ، 7 ] ، واعلم أنك إذا تأملت في عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان ، وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان ، قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة ، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة ، وعند ذلك يظهر لك قطرة من بحار أسرار قوله : { الحمد لله رب العالمين } .

الفائدة الخامسة : أضاف الحمد إلى نفسه فقال تعالى : ( { الحمد لله } ) ، ثم أضاف نفسه إلى العالمين ، والتقدير : إني أحب الحمد ، فنسبته إلى نفسي بكونه ملكا ، ثم لما ذكرت نفسي عرفت نفسي بكوني ربا للعالمين ، ومن عرف ذاتا بصفة فإنه يحاول ذكر أحسن الصفات وأكملها ، وذلك يدل على أن كونه ربا للعالمين أكمل الصفات ، والأمر كذلك ؛ لأن أكمل المراتب أن يكون تاما ، وفوق التمام ، فقولنا : الله يدل على كونه واجب الوجود لذاته في ذاته وبذاته وهو التمام ، وقوله : ( { رب العالمين } ) معناه أن وجود كل ما سواه فائض عن تربيته وإحسانه وجوده ، وهو المراد من قولنا أنه فوق التمام .

الفائدة السادسة : أنه يملك عبادا غيرك كما قال : ( { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ) [ المدثر : 31 ] وأنت ليس لك رب سواه ، ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وأنت تخدمه كأن لك ربا غيره ، فما أحسن هذه التربية ، أليس أنه يحفظك في النهار عن الآفات من غير عوض ، وبالليل عن المخافات من غير عوض ؟ واعلم أن الحراس يحرسون الملك كل ليلة ، فهل يحرسونه عن لدغ الحشرات ؟ وهل يحرسونه عن أن تنزل به البليات ؟ أما الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات ، ويصونه من المخافات ؛ بعد أن كان قد زج أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات ، فما أكبر هذه التربية وما أحسنها ، أليس من التربية أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( الآدمي بنيان الرب ، ملعون من هدم بنيان الرب ) ؛ فلهذا المعنى قال تعالى : ( { قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن } ) [ الأنبياء : 42 ] ما ذاك إلا الملك الجبار ، والواحد القهار ، ومقلب القلوب والأبصار ، والمطلع على الضمائر والأسرار .

الفائدة السابعة : قالت القدرية : إنما يكون تعالى ربا للعالمين ومربيا لهم لو كان محسنا إليهم دافعا للمضار عنهم ، أما إذا خلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ؛ ويأمر بالإيمان ثم يمنعه منه ، لم يكن ربا ولا مربيا ، بل كان ضارا ومؤذيا ، وقالت الجبرية : إنما سيكون ربا ومربيا لو كانت النعمة صادرة منه والألطاف فائضة من رحمته ، ولما كان الإيمان أعظم النعم وأجلها وجب أن يكون حصولها من الله تعالى ؛ ليكون ربا للعالمين إليهم محسنا بخلق الإيمان فيهم .

الفائدة الثامنة : قولنا " الله " أشرف من قولنا " رب " على ما بينا ذلك بالوجوه الكثيرة في تفسير أسماء الله تعالى ، ثم إن الداعي في أكثر الأمر يقول : يا رب ، يا رب ، والسبب فيه النكت والوجوه المذكورة في تفسير أسماء الله تعالى فلا نعيدها .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 1-1 , الصفحة 179 - 189
counter free hit invisible