<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

الفصل الثالث

في تفسير قوله : { الرحمن الرحيم } ، وفيه فوائد

الفائدة الأولى : الرحمن : هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من العباد ، والرحيم : هو المنعم بما يتصور جنسه من العباد ، حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال : كنت ضيفا لبعض القوم ، فقدم المائدة ، فنزل غراب وسلب رغيفا ، فاتبعته تعجبا ، فنزل في بعض التلال ، وإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين ، فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه .

وروي عن ذي النون أنه قال : كنت في البيت إذ وقعت ولولة في قلبي ، وصرت بحيث ما ملكت نفسي ، فخرجت من البيت وانتهيت إلى شط النيل ، فرأيت عقربا قويا يعدو فتبعته ، فوصل إلى طرف النيل ، فرأيت ضفدعا واقفا على طرف الوادي ، فوثب العقرب على ظهر الضفدع وأخذ الضفدع يسبح ويذهب ، فركبت السفينة وتبعته فوصل الضفدع إلى الطرف الآخر من النيل ، ونزل العقرب من ظهره ، وأخذ يعدو فتبعته ، فرأيت شابا نائما تحت شجرة ، ورأيت أفعى يقصده ، فلما قربت الأفعى من ذلك الشاب وصل العقرب إلى الأفعى ، فوثب العقرب على الأفعى فلدغه ، والأفعى أيضا لدغ العقرب ، فماتا معا ، وسلم الإنسان منهما . ويحكى أن ولد الغراب كما يخرج من قشر البيضة يخرج من غير ريش فيكون كأنه قطعة لحم أحمر ، والغراب يفر منه ولا يقوم بتربيته ، ثم إن البعوض يجتمع عليه لأنه يشبه قطعة لحم ميت ، فإذا وصلت البعوض إليه التقم تلك البعوض واغتذى بها ، ولا يزال على هذه الحال إلى أن يقوى وينبت ريشه ويخفى لحمه تحت ريشه ، فعند ذلك تعود أمه إليه ، ولهذا السبب جاء في أدعية العرب : يا رزاق النعاب في عشه ، فظهر بهذه الأمثلة أن فضل الله عام ، وإحسانه شامل ، ورحمته واسعة . واعلم أن الحوادث على قسمين : منه ما يظن أنه رحمة مع أنه لا يكون كذلك ، بل يكون في الحقيقة عذابا ونقمة ، ومنه ما يظن في الظاهر أنه عذاب ونقمة ، مع أنه يكون في الحقيقة فضلا وإحسانا ورحمة . أما القسم الأول : فالوالد إذا أهمل ولده حتى يفعل ما يشاء ولا يؤدبه ولا يحمله على التعلم ، فهذا في الظاهر رحمة وفي الباطن نقمة . وأما القسم الثاني كالوالد إذا حبس ولده في المكتب وحمله على التعلم فهذا في الظاهر نقمة ، وفي الحقيقة رحمة ، وكذلك الإنسان إذا وقع في يده الآكلة فإذا قطعت تلك اليد فهذا في الظاهر عذاب ، وفي الباطن راحة ورحمة ، فالأبله يغتر بالظواهر ، والعاقل ينظر في السرائر .

إذا عرفت هذا فكل ما في العالم من محنة وبلية وألم ومشقة فهو وإن كان عذابا وألما في الظاهر إلا أنه حكمة ورحمة في الحقيقة ، وتحقيقه ما قيل في الحكمة : إن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فالمقصود من التكاليف تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية كما قال تعالى : ( { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ) [ الإسراء : 7 ] والمقصود من خلق النار صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار ، وجذبها من دار الفرار إلى دار القرار ، كما قال تعالى : ( { ففروا إلى الله } ) [ الذاريات : 50 ] وأقرب مثال لهذا الباب قصة موسى والخضر عليهما السلام ، فإن موسى كان يبني الحكم عن ظواهر الأمور فاستنكر تخريق السفينة وقتل الغلام وعمارة الجدار المائل ، وأما الخضر فإنه كان يبني أحكامه على الحقائق والأسرار فقال : ( { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما } { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } ) [ الكهف : 79 82 ] فظهر بهذه القصة أن الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره على الحقائق لا على الظاهر ، فإذا رأيت ما يكرهه طبعك وينفر عنه عقلك فاعلم أن تحته أسرارا خفية وحكما بالغة ، وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك ، وعند ذلك يظهر لك أثر من بحار أسرار قوله : ( { الرحمن الرحيم } ) .

الفائدة الثانية : الرحمن : اسم خاص بالله ، والرحيم : ينطلق عليه وعلى غيره .

فإن قيل : فعلى هذا الرحمن أعظم ، فلم ذكر الأدنى بعد ذكر الأعلى ؟

والجواب : لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير ، حكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر ، فقال : جئتك لمهم يسير ، فقال : اطلب للمهم اليسير رجلا يسيرا . كأنه تعالى يقول : لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ، ولكن كما علمتني رحمانا تطلب مني الأمور العظيمة ، فأنا أيضا رحيم ؛ فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك ، كما ( قال تعالى لموسى : " يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك ) " .

الفائدة الثالثة : وصف نفسه بكونه رحمانا رحيما ، ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال : ( { ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } ) [ مريم : 21 ] فتلك الرحمة صارت سببا لنجاتها من توبيخ الكفار الفجار ، ثم إنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم ، وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ، ويقرأ لفظ " { الرحمن الرحيم } " في كل ركعة مرتين ، مرة في " بسم الله الرحمن الرحيم " ومرة في قوله : ( { الحمد لله رب العالمين } { الرحمن الرحيم } ) فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سببا لخلاص مريم عليها السلام عن المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه المرات الكثيرة طول العمر سببا لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار ؟

الفائدة الرابعة : أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه ، رحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه ، فكأنه تعالى يقول : أنا رحمن لأنك تسلم إلي نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة ، كما قال تعالى : ( { وصوركم فأحسن صوركم } ) [ غافر : 64 ] وأنا رحيم لأنك تسلم إلي طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة .

الفائدة الخامسة : ( روي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه به ، فقام ودخل عليه ، وجعل يعرض عليه الشهادة وهو يتحرك ويضطرب ولا يعمل لسانه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما كان يصلي ؟ أما كان يصوم ؟ أما كان يزكي ؟ فقالوا : بلى ، فقال : هل عق والديه ؟ فقالوا : بلى ، فقال عليه السلام : هاتوا بأمه ، فجاءت وهي عجوز عوراء ، فقال عليه السلام : هلا عفوت عنه ، فقالت : لا أعفو لأنه لطمني ففقأ عيني ، فقال عليه السلام : هاتوا بالحطب والنار ، فقالت : وما تصنع بالنار ؟ فقال عليه السلام : أحرقه بالنار بين يديك جزاء لما عمل بك ، فقالت : عفوت عفوت ، أللنار حملته تسعة أشهر ؟ أللنار أرضعته سنتين ؟ فأين رحمة الأم ؟ فعند ذلك انطلق لسانه ، وذكر أشهد أن لا إله إلا الله ) . والنكتة أنها كانت رحيمة ، وما كانت رحمانة فلأجل ذلك القدر القليل من الرحمة ما جوزت الإحراق بالنار ، فالرحمن الرحيم الذي لم يتضرر بجنايات عبيده مع عنايته بعباده كيف يستجيز أن يحرق المؤمن الذي واظب على شهادة أن لا إله إلا الله سبعين سنة بالنار ؟

الفائدة السادسة : لقد اشتهر أن النبي عليه السلام لما كسرت رباعيته قال : ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) ، فظهر أنه يوم القيامة يقول : أمتي ، أمتي ، فهذا كرم عظيم منه في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى : ( { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ) [ الأنبياء : 107 ] فإن كان أثر الرحمة الواحدة هذا المبلغ ، فكيف كرم من هو رحمن رحيم ؟ وأيضا روي أنه عليه السلام قال : ( اللهم اجعل حساب أمتي على يدي ) ، ثم إنه امتنع عن الصلاة على الميت لأجل أنه كان مديونا بدرهمين ، وأخرج عائشة عن البيت بسبب الإفك ، فكأنه تعالى قال له : إن لك رحمة واحدة وهي قوله : ( { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ) [ الأنبياء : 107 ] والرحمة الواحدة لا تكفي في إصلاح المخلوقات ، فذرني وعبيدي واتركني وأمتك ، فإني أنا الرحمن الرحيم ، فرحمتي لا نهاية لها ، ومعصيتهم متناهية ، والمتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانيا ، فلا جرم معاصي جميع الخلق تفنى في بحار رحمتي ، لأني أنا الرحمن الرحيم .

الفائدة السابعة : قالت القدرية : كيف يكون رحمانا رحيما من خلق الخلق للنار ولعذاب الأبد ؟ وكيف يكون رحمانا رحيما من يخلق الكفر في الكافر ويعذبه عليه ؟ وكيف يكون رحمانا رحيما من أمر بالإيمان ثم صد ومنع عنه ؟ وقالت الجبرية : أعظم أنواع النعمة والرحمة هو الإيمان ، فلو لم يكن الإيمان من الله بل كان من العبد لكان اسم الرحمن الرحيم بالعبد أولى منه بالله ، والله أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 1-1 , الصفحة 190 - 191
counter free hit invisible