<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

الفصل الرابع

في تفسير قوله : مالك يوم الدين ، وفيه فوائد

الفائدة الأولى : قوله : ( { مالك يوم الدين } ) أي مالك يوم البعث والجزاء ، وتقريره أنه لا بد من الفرق بين المحسن والمسيء ، والمطيع والعاصي ، والموافق والمخالف ، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء ، كما قال تعالى : ( { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ) [ النجم : 31 ] وقال تعالى : ( { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } ) [ ص : 8 ] وقال : ( { إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ) [ طه : 15 ] واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم ثم إنه لا ينتقم منه فذاك إما للعجز أو للجهل ، أو لكونه راضيا بذلك الظلم ، وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال ، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين ، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا وجب أن يحصل في دار الأخرى بعد دار الدنيا ، وذلك هو المراد بقوله : ( { مالك يوم الدين } ) وبقوله : ( { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ) الآية [ الزلزلة : 7 ] روي أنه يجاء برجل يوم القيامة فينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة البتة ، فيأتيه النداء ، يا فلان ادخل الجنة بعملك ، فيقول : إلهي ، ماذا عملت ؟ فيقول الله تعالى : ألست لما كنت نائما تقلبت من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك " الله " ثم غلبك النوم في الحال فنسيت ذلك ؟ أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم فما نسيت ذلك ، وأيضا يؤتى برجل وتوزن حسناته وسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله ، فلا يثقل مع ذكر الله غيره .

واعلم أن الواجبات على قسمين : حقوق الله تعالى ، وحقوق العباد . أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة ؛ لأنه تعالى غني عن العالمين ، وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها .

روي أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان له على بعض المجوس مال ، فذهب إلى داره ليطالبه به ، فلما وصل إلى باب داره وقع على نعله نجاسة ، فنفض نعله فارتفعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة وقال : إن تركتها كان ذلك سببا لقبح جدار هذا المجوسي ، وإن حككتها انحدر التراب من الحائط ، فدق الباب ، فخرجت الجارية ، فقال لها : قولي لمولاك : إن أبا حنيفة بالباب ، فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال ، فأخذ يعتذر ، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه : هاهنا ما هو أولى ، وذكر قصة الجدار ، وأنه كيف السبيل إلى تطهيره ، فقال المجوسي : فأنا أبدأ بتطهير نفسي ، فأسلم في الحال . والنكتة فيه أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم المجوسي في ذلك القدر القليل من الظلم فلأجل تركه ذلك انتقل المجوسي من الكفر إلى الإيمان ، فمن احترز عن الظلم كيف يكون حاله عند الله تعالى .

الفائدة الثانية : اختلف القراء في هذه الكلمة ، فمنهم من قرأ : ( { مالك يوم الدين } ) ومنهم من قرأ : " ملك يوم الدين " . حجة من قرأ " مالك " وجوه :

الأول : أن فيه حرفا زائدا ، فكانت قراءته أكثر ثوابا .

الثاني أنه يحصل في القيامة ملوك كثيرون . أما المالك الحق ليوم الدين فليس إلا الله .

الثالث : المالك قد يكون ملكا وقد لا يكون ، كما أن الملك قد يكون مالكا وقد لا يكون ، فالملكية والمالكية قد تنفك كل واحدة منهما عن الأخرى ، إلا أن المالكية سبب لإطلاق التصرف ، والملكية ليست كذلك ، فكان المالك أولى .

الرابع : أن الملك ملك للرعية ، والمالك مالك للعبيد ، والعبد أدون حالا من الرعية ، فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية ، فوجب أن يكون المالك أعلى حالا من الملك .

الخامس : أن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك باختيار أنفسهم ، أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكا لذلك المالك باختيار نفسه ، فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية .

السادس : أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية ، قال عليه الصلاة والسلام : " ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) " ولا يجب على الرعية خدمة الملك . أما المملوك فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه ، حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة ، وإذا نوى مولاه السفر يصير هو مسافرا ، وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيما ؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع في المملوكية أتم منه في كونه رعية ، فهذه هي الوجوه الدالة على أن المالك أكمل من الملك .

وحجة من قال إن الملك أولى من المالك وجوه :

الأول : أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكا ، أما الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم فكان الملك أشرف من المالك .

الثاني : أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى : ( { قل أعوذ برب الناس } { ملك الناس } ) [ الناس : 1 ] لفظ الملك فيه متعين ولولا أن الملك أعلى حالا من المالك وإلا لم يتعين .

الثالث : الملك أولى لأنه أقصر ، والظاهر أنه يدرك من الزمان ما تذكر فيه هذه الكلمة بتمامها ، بخلاف المالك فإنها أطول ، فاحتمل أن لا يجد من الزمان ما يتم فيه هذه الكلمة ، هكذا نقل عن أبي عمرو ، وأجاب الكسائي بأن قال : إني أشرع في ذكر هذه الكلمة فإن لم أبلغها فقد بلغتها حيث عزمت عليها ، نظيره في الشرعيات من نوى صوم الغد قبل غروب الشمس من اليوم في أيام رمضان لا يجزيه ؛ لأنه في هذا اليوم مشتغل بصوم هذا اليوم ، فإذا نوى صوم الغد كان ذلك تطويلا للأمل ، أما إذا نوى بعد غروب الشمس فإنه لا يجزيه ؛ لأنه وإن كان ذلك تطويلا للأمل إلا أنه خرج عن الصوم بسبب غروب الشمس ، ويجوز أن يموت في تلك الليلة ، فيقول : إن لم أبلغ إلى اليوم فلا أقل من أن أكون على عزم الصوم ، كذا ههنا يشرع في ذكر قوله " مالك " فإن تممها فذاك وإن لم يقدر على إتمامها كان عازما على الإتمام وهو المراد .

ثم نقول : إنه يتفرع على كونه ملكا أحكام ، وعلى كونه مالكا أحكام أخر .

أما الأحكام المتفرعة على كونه ملكا فوجوه :

الأول : أن السياسات على أربعة أقسام : سياسة الملاك ، وسياسة الملوك ، وسياسة الملائكة ، وسياسة ملك الملوك . فسياسة الملوك أقوى من سياسة الملاك ؛ لأنه لو اجتمع عالم من المالكين فإنهم لا يقاومون ملكا واحدا ، ألا ترى أن السيد لا يملك إقامة الحد على مملوكه عند أبي حنيفة ، وأجمعوا على أن الملك يملك إقامة الحدود على الناس ، وأما سياسة الملائكة فهي فوق سياسات الملوك ؛ لأن عالما من أكابر الملوك لا يمكنهم دفع سياسة ملك واحد ، وأما سياسة ملك الملوك فإنها فوق سياسات الملائكة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } ) [ النبأ : 38 ] وقوله تعالى : ( { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ) [ البقرة : 255 ] وقال في صفة الملائكة : ( { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ) [ الأنبياء : 28 ] فيا أيها الملوك لا تغتروا بمالكم من المال والملك فإنكم أسراء في قبضة قدرة مالك يوم الدين ، ويا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ملك الملوك الذي هو مالك يوم الدين .

الحكم الثاني من أحكام كونه تعالى ملكا : أنه ملك لا يشبه سائر الملوك لأنهم إن تصدقوا بشيء انتقص ملكهم ، وقلت خزائنهم ؛ أما الحق سبحانه وتعالى فملكه لا ينتقص بالعطاء والإحسان بل يزداد ، بيانه أنه تعالى إذا أعطاك ولدا واحدا لم يتوجه حكمه إلا على ذلك الولد الواحد ، أما لو أعطاك عشرة من الأولاد كان حكمه وتكليفه لازما على الكل ، فثبت أنه تعالى كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكا .

الحكم الثالث من أحكام كونه ملكا : كمال الرحمة ، والدليل عليه آيات :

إحداها : ما ذكر في هذه السورة من كونه ربا رحمانا رحيما .

وثانيها : قوله تعالى : ( { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم } ) [ الحشر : 22 ] ثم قال بعده : ( { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك } ) [ الحشر : 23 ] ثم ذكر بعده كونه قدوسا عن الظلم والجور ثم ذكر بعده كونه سلاما ، وهو الذي سلم عباده من ظلمه وجوره ، ثم ذكر بعده كونه مؤمنا ، وهو الذي يؤمن عبيده عن جوره وظلمه ، فثبت أن كونه ملكا لا يتم إلا مع كمال الرحمة .

وثالثها : قوله تعالى : ( { الملك يومئذ الحق للرحمن } ) [ الفرقان : 26 ] لما أثبت لنفسه الملك أردفه بأن وصف نفسه بكونه رحمانا ، يعني : إن كان ثبوت الملك له في ذلك اليوم يدل على كمال القهر ، فكونه رحمانا يدل على زوال الخوف وحصول الرحمة .

ورابعها : قوله تعالى : ( { قل أعوذ برب الناس } { ملك الناس } ) [ الناس : 1 ] فذكر أولا كونه ربا للناس ثم أردفه بكونه ملكا للناس ، وهذه الآيات دالة على أن الملك لا يحسن ولا يكمل إلا مع الإحسان والرحمة ، فيا أيها الملوك اسمعوا هذه الآيات وارحموا هؤلاء المساكين ولا تطلبوا مرتبة زائدة في الملك على ملك الله تعالى .

الحكم الرابع للملك : أنه يجب على الرعية طاعته فإن خالفوه ولم يطيعوه وقع الهرج والمرج في العالم وحصل الاضطراب والتشويش ودعا ذلك إلى تخريب العالم وفناء الخلق ، فلما شاهدتم أن مخالفة الملك المجازي تفضي آخر الأمر إلى تخريب العالم وفناء الخلق فانظروا إلى مخالفة ملك الملوك كيف يكون تأثيرها في زوال المصالح وحصول المفاسد ؟ وتمام تقريره أنه تعالى بين أن الكفر سبب لخراب العالم ، قال تعالى : ( { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } { أن دعوا للرحمن ولدا } ) [ مريم : 90 ] وبين أن طاعته سبب للمصالح قال تعالى : ( { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } ) [ طه : 132 ] فيا أيها الرعية كونوا مطيعين لملوككم ، ويا أيها الملوك كونوا مطيعين لملك الملوك حتى تنتظم مصالح العالم .

الحكم الخامس : أنه لما وصف نفسه بكونه ملكا ليوم الدين أظهر للعالمين كمال عدله فقال : ( { وما ربك بظلام للعبيد } ) [ فصلت : 46 ] ثم بين كيفية العدل فقال : ( { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا } ) [ الأنبياء : 47 ] فظهر بهذا أن كونه ملكا حقا ليوم الدين إنما يظهر بسبب العدل ، فإن كان الملك المجازي عادلا كان ملكا حقا وإلا كان ملكا باطلا ، فإن كان ملكا عادلا حقا حصل من بركة عدله الخير والراحة في العالم ، وإن كان ملكا ظالما ارتفع الخير من العالم .

يروى أن أنوشروان خرج إلى الصيد يوما وأوغل في الركض ، وانقطع عن عسكره واستولى العطش عليه ، ووصل إلى بستان فلما دخل ذلك البستان رأى أشجار الرمان فقال لصبي حضر في ذلك البستان : أعطني رمانة واحدة ، فأعطاه رمانة فشقها وأخرج حبها وعصرها فخرج منه ماء كثير فشربه ، وأعجبه ذلك الرمان فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه ثم قال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصا مؤذيا ، فقال : أيها الصبي لم صار الرمان هكذا ؟ فقال الصبي : لعل ملك البلد عزم على الظلم فلأجل شؤم ظلمه صار الرمان هكذا ، فتاب أنوشروان في قلبه عن ذلك الظلم ، وقال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فوجدها أطيب من الرمانة الأولى ، فقال للصبي : لم بدلت هذه الحالة ؟ فقال الصبي : لعل ملك البلد تاب عن ظلمه ، فلما سمع أنوشروان هذه القصة من ذلك الصبي وكانت مطابقة لأحوال قلبه تاب بالكلية عن الظلم ، فلا جرم بقي اسمه مخلدا في الدنيا بالعدل ، حتى إن من الناس من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ( ولدت في زمن الملك العادل ) " .



أما الأحكام المفرعة على كونه مالكا فهي أربعة :

الحكم الأول : قراءة المالك أرجى من قراءة الملك ؛ لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأسا برأس ، أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية فكأنه تعالى يقول : أنا مالككم فعلي طعامكم وثوابكم وجنتكم .

الحكم الثاني : الملك وإن كان أغنى من المالك غير أن الملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه ، وليست لنا طاعات ولا خيرات فلا يريد أن يطلب منا يوم القيامة أنواع الخيرات والطاعات ، بل يريد أن نطلب منه يوم القيامة الصفح والمغفرة وإعطاء الجنة بمجرد الفضل ، فلهذا السبب قال الكسائي : اقرأ " { مالك يوم الدين } " ؛ لأن هذه القراءة هي الدالة على الفضل الكثير والرحمة الواسعة .

الحكم الثالث : أن الملك إذا عرض عليه العسكر لم يقبل إلا من كان قوي البدن صحيح المزاج ، أما من كان مريضا فإنه يرده ولا يعطيه شيئا من الواجب ، أما المالك إذا كان له عبد فإن مرض عالجه وإن ضعف أعانه وإن وقع في بلاء خلصه ، فالقراءة بلفظ المالك أوفق للمذنبين والمساكين .

الحكم الرابع : الملك له هيبة وسياسة ، والمالك له رأفة ورحمة ، واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة .

الفائدة الثالثة : الملك عبارة عن القدرة ، فكونه مالكا وملكا عبارة عن القدرة ، ههنا بحث : وهو أنه تعالى إما أن يكون ملكا للموجودات أو للمعدومات ، والأول باطل ، لأن إيجاد الموجودات محال فلا قدرة لله على الموجودات إلا بالإعدام ، وعلى هذا التقرير فلا مالك إلا للعدم ، والثاني باطل أيضا ؛ لأنه يقتضي أن تكون قدرته وملكه على العدم ويلزم أن يقال : إنه ليس لله في الموجودات مالكية ولا ملك وهذا بعيد .

والجواب أن الله تعالى مالك الموجودات وملكها ، بمعنى أنه تعالى قادر على نقلها من الوجود إلى العدم ، أو بمعنى أنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة ، وهذه القدرة ليست إلا لله تعالى ، فالملك الحق هو الله سبحانه وتعالى ، إذا عرفت أنه الملك الحق فنقول : إنه الملك ليوم الدين وذلك لأن القدرة على إحياء الخلق بعد موتهم ليست إلا لله ، والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس ليس إلا لله ، فإذا كان الحشر والنشر والبعث والقيامة لا يتأتى إلا بعلم متعلق بجميع المعلومات وقدرة متعلقة بجميع الممكنات ثبت أنه لا مالك ليوم الدين إلا الله ، وتمام الكلام في هذا الفصل متعلق بمسألة الحشر والنشر .

فإن قيل : إن المالك لا يكون مالكا للشيء إلا إذا كان المملوك موجودا ، والقيامة غير موجودة في الحال ، فلا يكون الله مالكا ليوم الدين ، بل الواجب أن يقال : مالك يوم الدين ، بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيد ، فهذا إقرار ، ولو قال أنا قاتل زيدا بالتنوين كان تهديدا ووعيدا .

قلنا : الحق ما ذكرتم ، إلا أن قيام القيامة لما كان أمرا حقا لا يجوز الإخلال في الحكمة جعل وجود القيامة كالأمر القائم في الحال الحاصل في الحال ، وأيضا من مات فقد قامت قيامته فكانت القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال .

الفائدة الرابعة : أنه تعالى ذكر في هذه السورة من أسماء نفسه خمسة : الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والمالك . والسبب فيه كأنه يقول : خلقتك أولا فأنا إله ، ثم ربيتك بوجوه النعم فأنا رب ، ثم عصيت فسترت عليك فأنا رحمن ، ثم تبت فغفرت لك فأنا رحيم ، ثم لا بد من إيصال الجزاء إليك فأنا مالك يوم الدين .

فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية مرة واحدة وفي السورة مرة ثانية ، فالتكرير فيهما حاصل وغير حاصل في الأسماء الثلاثة فما الحكمة ؟ .

قلنا : التقدير كأنه قيل : اذكر أني إله ورب مرة واحدة ، واذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال : لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره قوله تعالى : ( { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول } ) [ غافر : 3 ] .

الفائدة الخامسة : قالت القدرية : إن كان خالق أعمال العباد هو الله امتنع القول بالثواب والعقاب والجزاء ؛ لأن ثواب الرجل على ما لم يعمله عبث ، وعقابه على ما لم يعمله ظلم ، وعلى هذا التقدير فيبطل كونه مالكا ليوم الدين ، وقالت الجبرية : لو لم تكن أعمال العباد بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكا لها ، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكا للعباد ولأعمالهم ؛ علمنا أنه خالق لها مقدر لها والله أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 1-1 , الصفحة 192 - 196
counter free hit invisible