<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون }

قوله : ( الر ) قد تقدم الكلام مستوفى على هذه الحروف الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة فلا نعيده ، ففيه ما يغني عن الإعادة .

وقد قرأ بالإمالة أبو عمرو وحمزة وخلف وغيرهم .

وقرأ جماعة من غير إمالة ، وقد قيل : إن معنى ( الر ) أنا الله أرى .

قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ، لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب ، وأنشد : بالخير خيرات وإن شرا فا أي وإن شرا فشر .

وقال الحسن وعكرمة ( الر ) قسم ، وقال سعيد ، عن قتادة ، ( الر ) اسم للسورة ، وقيل غير ذلك مما فيه تكلف لعلم ما استأثر الله بعلمه ، وقد اتفق القراء على أن ( الر ) ليس بآية ، وعلى أن طه آية ، وفي مقنع أبي عمرو الداني أن العادين لطه آية هم الكوفيون فقط ، قيل : ولعل الفرق أن ( الر ) لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده ، والإشارة بقوله : تلك إلى ما تضمنته السورة من الآيات ، والتبعيد للتعظيم ، واسم الإشارة مبتدأ وخبره ما بعده .

وقال مجاهد وقتادة : أراد التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة ، فإن تلك إشارة إلى غائب مؤنث ، وقيل : تلك بمعنى هذه : أي هذه آيات الكتاب الحكيم ، وهو القرآن ، ويؤيد كون الإشارة إلى القرآن أنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر ، وأن الحكيم من صفات القرآن لا من صفات غيره ، والحكيم المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام ، قاله أبو عبيدة وغيره ، وقيل : الحكيم معناه الحاكم فهو فعيل بمعنى فاعل كقوله : { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } [ البقرة : 213 ] ، وقيل : الحكيم بمعنى المحكوم فيه ، فهو فعيل بمعنى مفعول أي : حكم الله فيه بالعدل والإحسان ، قاله الحسن وغيره ، وقيل : الحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها .

والاستفهام في قوله : { أكان للناس عجبا } لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ ، واسم كان { أن أوحينا } وخبرها ( عجبا ) أي أكان إيحاؤنا عجبا للناس .

وقرأ ابن مسعود " عجب " على أنه اسم كان ، على أن كان تامة ، و { أن أوحينا } بدل من ( عجب ) .

وقرئ بإسكان الجيم من " رجل " في قوله : { إلى رجل منهم } أي من جنسهم وليس في هذا الإيحاء إلى رجل من جنسهم ما يقتضي العجب فإنه لا يلابس الجنس ويرشده ويخبره عن الله سبحانه إلا من كان من جنسه ، ولو كان من غير جنسهم لكان من الملائكة أو من الجن ، ويتعذر المقصود حينئذ من الإرسال ، لأنهم لا يأنسون إليه ولا يشاهدونه ، ولو فرضنا تشكله لهم وظهوره ، فإما أن يظهر في غير شكل النوع الإنساني ، وذلك أوحش لقلوبهم وأبعد من أنسهم ، أو في الشكل الإنساني فلا بد من إنكارهم لكونه في الأصل غير إنسان ، هذا إن كان العجب منهم لكونه من جنسهم ، وإن كان لكونه يتيما أو فقيرا ، فذلك لا يمنع من أن يكون من كان كذلك جامعا من خصال الخير والشرف ما لا يجمعه غيره وبالغا في كمال الصفات إلى حد يقصر عنه من كان غنيا ، أو كان غير يتيم ، وقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قبل أن يصطفيه الله بإرساله من خصال الكمال عند قريش ما هو أشهر من الشمس وأظهر من النهار ، حتى كانوا يسمونه الأمين .

قوله : { أن أنذر الناس } في موضع نصب بنزع الخافض أي : بأن أنذر الناس ، وقيل : هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول ، وقيل : هي المخففة من الثقيلة .

قوله : { قدم صدق } أي منزل صدق ، وقال الزجاج : درجة عالية .

ومنه قول ذي الرمة : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طمت على البحر وقال ابن الأعرابي : القدم المتقدم في الشرف ، وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر ، فهو عند العرب قدم ; يقال : لفلان قدم في الإسلام ، وله عندي قدم صدق ، وقدم خير ، وقدم شر ، ومنه قول العجاج : زل بنو العوام عن آل الحكم وتركوا الملك لملك ذي قدم وقال ثعلب : القدم كل ما قدمت من خير ، وقال ابن الأنباري : القدم كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء ، وقال قتادة : سلف صدق ، وقال الربيع : ثواب صدق ، وقال الحسن : هو محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وقال الحكيم الترمذي ، : قدمه - صلى الله عليه وآله وسلم - في المقام المحمود ، وقال مقاتل : أعمالا قدموها ، واختاره ابن جرير ، ومنه قول الوضاح : صل لذي العرش واتخذ قدما ينجيك يوم الخصام والزلل وقيل غير ما تقدم مما لا حاجة إلى التطويل بإيراده .

قوله : { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } .

قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف ، والأعمش ، وابن محيصن " لساحر " على أنهم أرادوا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - باسم الإشارة .

وقرأ الباقون لسحر على أنهم أرادوا القرآن ، وقد تقدم معنى السحر في البقرة ، وجملة { قال الكافرون } مستأنفة كأنه قيل : ماذا صنعوا بعد التعجب; وقال القفال : فيه إضمار ، والتقدير : فلما أنذرهم قال الكافرون ذلك .

ثم إن الله سبحانه جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار من الإيحاء إلى رجل منهم فقال : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } أي من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن تصوره ، كيف يكون إرساله لرسول إلى الناس من جنسهم محلا للتعجب مع كون الكفار يعترفون بذلك ، فكيف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة بهذا الرسول ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في الأعراف في قوله : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } فلا نعيده هنا ، ثم ذكر ما يدل على مزيد قدرته وعظيم شأنه فقال : { يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه } وترك العاطف ، لأن جملة ( يدبر ) كالتفسير والتفصيل لما قبلها ، وقيل : هي في محل نصب على الحال من ضمير استوى ، وقيل : مستأنفة جواب سؤال مقدر ، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المقبول .

وقال مجاهد : يقضيه ويقدره وحده ، وقيل : يبعث الأمر ، وقيل : ينزل الأمر ، وقيل : يأمر به ويمضيه ، والمعنى متقارب ، واشتقاقه من الدبر ، والأمر : الشأن ، وهو أحوال ملكوت السماوات والأرض والعرش وسائر الخلق .

قال الزجاج : إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون : إن الأصنام شفعاؤنا عند الله ، فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه ، لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب .

وقد تقدم معنى الشفاعة في البقرة ، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور في كل شيء سبحانه وتعالى ، والإشارة بقوله : ذلكم إلى فاعل هذه الأشياء من الخلق والتدبير : أي الذي فعل هذه الأشياء العظيمة الله ربكم ، واسم الإشارة مبتدأ ، وخبره : الاسم الشريف ، وربكم بدل منه أو بيان له أو خبر ثان ، وفي هذه الجملة زيادة تأكيد لقوله : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض } ثم أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه وعظيم اقتداره ، فكيف يعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ؟ والاستفهام في قوله : ( أفلا تذكرون ) للإنكار والتوبيخ والتقريع; لأن من له أدنى تذكر ، وأقل اعتبار يعلم بهذا ولا يخفى عليه .

ثم بين لهم ما يكون آخر أمرهم بعد الحياة الدنيا ، فقال : { إليه مرجعكم جميعا } وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى ، وانتصاب ( وعد الله ) على المصدر ، لأن في قوله : { إليه مرجعكم جميعا } معنى الوعد أو هو منصوب بفعل مقدر ، والمراد بالمرجع الرجوع إليه سبحانه إما بالموت أو بالبعث أو بكل واحد منهما ، ثم أكد ذلك الوعد بقوله : حقا فهو تأكيد لتأكيد فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ذلك .

وقرأ ابن أبي عبلة " وعد الله حق " على الاستئناف .

ثم علل سبحانه ما تقدم بقوله : { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } أي : إن هذا شأنه ، يبتدئ خلقه من التراب ثم يعيده إلى التراب ، أو معنى الإعادة الجزاء يوم القيامة .

قال مجاهد : ينشئه ثم يميته ، ثم يحييه للبعث; وقيل : ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال .

وقرأ يزيد بن القعقاع : " أنه يبدأ الخلق " بفتح الهمزة ، فتكون الجملة في موضع نصب بما نصب به ( وعد الله ) : أي وعدكم أنه يبدأ الخلق ثم يعيده ، ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق ، وأجاز الفراء أن تكون ( أن ) في موضع رفع فتكون اسما .

قال أحمد بن يحيى بن ثعلب : يكون التقدير : حقا إبداؤه الخلق ، ثم ذكر غاية ما يترتب على الإعادة فقال : { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } أي بالعدل الذي لا جور فيه { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } يحتمل أن يكون الموصول الآخر معطوفا على الموصول الأول : أي ليجزي الذين آمنوا ويجزي الذين كفروا ، وتكون جملة { لهم شراب من حميم } في محل نصب على الحال هي وما عطف عليها : أي وعذاب أليم ويكون التقدير هكذا : ويجزي الذين كفروا حال كونهم لهم هذا الشراب وهذا العذاب ، ولكن يشكل على ذلك أن هذا الشراب وهذا العذاب الأليم هما من الجزاء ، ويمكن أن يقال : إن الموصول في والذين كفروا مبتدأ وما بعده خبره ، فلا يكون معطوفا على المعطوف الأول ، والباء في { بما كانوا يكفرون } للسببية : أي بسبب كفرهم ، والحميم : الماء الحار ، وكل مسخن عند العرب ، فهو حميم .

وقد أخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس ، في قوله : ( الر ) قال : فواتح أسماء من أسماء الله .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وابن النجار في تاريخه عنه قال في قوله : الر أنا الله أرى .

وأخرج ابن المنذر ، عن سعيد بن جبير ، مثله .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الضحاك ، مثله أيضا .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي مالك في قوله : { تلك آيات الكتاب } قال : يعني هذه .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة ، في قوله : { تلك آيات الكتاب } قال : الكتب التي خلت قبل القرآن .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن ابن عباس ، قال : لما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم - رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، فأنزل الله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } الآية يؤمنون { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } [ الأنبياء : 7 ] الآية ، فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجة قالوا : وإذا كان بشرا ، فغير محمد كان أحق بالرسالة ، { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] يقول : أشرف من محمد ، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف ، فأنزل الله ردا عليهم : { أهم يقسمون رحمة ربك } [ الزخرف : 32 ] الآية .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عنه في قوله : { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } قال : ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول .

وأخرج ابن جرير ، عنه أيضا قال : أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم .

وأخرج أبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن ابن مسعود قال : القدم هو العمل الذي قدموا .

قال الله سبحانه : { ونكتب ما قدموا وآثارهم } [ يس : 12 ] والآثار ممشاهم .

قال : مشى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بين أسطوانتين من مسجدهم ثم قال : هذا أثر مكتوب .

وأخرج ابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري في قوله : { قدم صدق } قال : محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - يشفع لهم .

وأخرج ابن مردويه ، عن علي بن أبي طالب مثله .

وأخرج الحاكم وصححه ، عن أبي بن كعب قال : سلف صدق .

والروايات عن التابعين وغيرهم في هذا كثيرة ، وقد قدمنا أكثرها .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن مجاهد في قوله : { يدبر الأمر } قال : يقضيه وحده ، وفي قوله : { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } قال : يحييه ثم يميته ثم يحييه .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 610 - 611
counter free hit invisible