<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة يونس )

مكية ، إلا الآيات : 40 و 94 و 95 و 96 فمدنية

وآياتها 109 نزلت بعد الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم

( { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } )

عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن هذه السورة مكية إلا قوله : ( { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين } ) فإنها مدنية نزلت في اليهود .

قوله جل جلاله ( { الر } ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وعاصم ( { الر } ) بفتح الراء على التفخيم ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحيى عن أبي بكر بكسر الراء على الإمالة . وروي عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم ، بين الفتح والكسر ، واعلم أن كلها لغات صحيحة . قال الواحدي : الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو ما ولا ؛ لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء ، وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة ، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على أنها أسماء لا حروف .

المسألة الثانية : اتفقوا على أن قوله ( { الر } ) وحده ليس آية ، واتفقوا على أن قوله ( { طه } ) وحده آية . والفرق أن قوله : ( { الر } ) لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله : ( { طه } ) فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده .

المسألة الثالثة : الكلام المستقصى في تفسير هذا النوع من الكلمات قد تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكر هاهنا أيضا بعض ما قيل . قال ابن عباس : ( { الر } ) معناه أنا الله أرى . وقيل : أنا الرب لا رب غيري . وقيل : ( { الر } ) و ( حم ) و ( { ن } ) اسم الرحمن .

قوله تعالى : ( { تلك آيات الكتاب الحكيم } ) فيه مسألتان :

المسألة الأولى : قوله : ( { تلك } ) يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه السورة من الآيات ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، وأيضا فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو القرآن ، ويحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن ، وهو الكتاب المخزون المكنون عند الله تعالى ، الذي منه نسخ كل كتاب ، كما قال تعالى : ( { إنه لقرآن كريم } { في كتاب مكنون } ) [ الواقعة : 77 ، 78 ] وقال تعالى : ( { بل هو قرآن مجيد } { في لوح محفوظ } ) [ البروج : 21 ، 22 ] وقال : ( { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } ) [ الزخرف : 4 ] وقال : ( { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ) [ الرعد : 39 ] .

وإذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل هاهنا حينئذ وجوه أربعة من الاحتمالات :

الاحتمال الأول أن يقال : المراد من لفظة ( { تلك } ) الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة ، فكان التقدير : تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم الذي هو القرآن ، وذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ولا يغيره كرور الدهر ، فالتقدير أن تلك الآيات الحاصلة في سورة ( { الر } ) هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء .

الاحتمال الثاني : أن يقال : المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند الله .

واعلم أن على هذين القولين تكون الإشارة بقولنا : ( { تلك } ) إلى آيات هذه السورة وفيه إشكال ، وهو أن ( { تلك } ) يشار بها إلى الغائب ، وآيات هذه السورة حاضرة ، فكيف يحسن أن يشار إليه بلفظ ( { تلك } ) ؟ !

واعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى : ( { الم } { ذلك الكتاب } ) [ البقرة : 1 \ 2 ] .

الاحتمال الثالث والرابع : أن يقال : لفظ ( { تلك } ) إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، والمراد بها : هي آيات القرآن الحكيم ، والمراد أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند الله تعالى ، وفي الآية قولان آخران :

أحدهما : أن يكون المراد من ( { الكتاب الحكيم } ) التوراة والإنجيل ، والتقدير : أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة والإنجيل ، والمعنى : أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة للقصص المذكورة في التوراة والإنجيل ، مع أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما كان عالما بالتوراة والإنجيل ، فحصول هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله تعالى محمدا بإنزال الوحي عليه . والثاني : وهو قول أبي مسلم : أن قوله : ( { الر } ) إشارة إلى حروف التهجي ، فقوله : ( { الر تلك آيات الكتاب } ) يعني : هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت آيات وعلامات لهذا الكتاب الذي به وقع التحدي . فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز ، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالا .

المسألة الثانية : في وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه :

الأول : أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة .

الثاني : أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به . قال الأعشى : وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها

الثالث : قال الأكثرون ( { الحكيم } ) بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل ، دليله قوله تعالى : ( { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس } ) [ البقرة : 213 ] فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها ، وفي الأفعال لتميز صوابها عن خطئها ، وكالحاكم على أن محمدا صادق في دعوى النبوة ؛ لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام ليست إلا القرآن . الرابع : أن ( { الحكيم } ) بمعنى المحكم . والإحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور . أو المراد منه براءته عن الكذب والتناقض . الخامس : قال الحسن : وصف الكتاب بالحكيم ؛ لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ، فعلى هذا ( { الحكيم } ) يكون معناه المحكوم فيه . السادس : أن ( { الحكيم } ) في أصل اللغة : عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب ، فكان وصف القرآن به مجازا ، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب ، فمن حيث إنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 17-17 , الصفحة 3 - 5
counter free hit invisible