<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

تفسير سورة العاديات وهي مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { والعاديات ضبحا } ( 1 ) { فالموريات قدحا } ( 2 ) { فالمغيرات صبحا } ( 3 ) { فأثرن به نقعا } ( 4 ) { فوسطن به جمعا } ( 5 ) { إن الإنسان لربه لكنود } ( 6 ) { وإنه على ذلك لشهيد } ( 7 ) { وإنه لحب الخير لشديد } ( 8 ) { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } ( 9 ) { وحصل ما في الصدور } ( 10 ) { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ( 11 ) )

يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت وضبحت ، وهو : الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو . ( { فالموريات قدحا } ) يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار .

( { فالمغيرات صبحا } ) يعني : الإغارة وقت الصباح ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير صباحا ويتسمع أذانا ، فإن سمع وإلا أغار .

[ وقوله ] ( { فأثرن به نقعا } ) يعني : غبارا في [ مكان ] معترك الخيول .

( { فوسطن به جمعا } ) أي : توسطن ذلك المكان كلهن جمع .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عبدة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم عن عبد الله : ( { والعاديات ضبحا } ) قال : الإبل .

وقال علي : هي الإبل . وقال ابن عباس : هي الخيل . فبلغ عليا قول ابن عباس ، فقال : ما كانت لنا خيل يوم بدر . قال ابن عباس : إنما كان ذلك في سرية بعثت .

قال ابن أبي حاتم وابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني أبو صخر ، عن أبي معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس حدثه ، قال : بينا أنا في الحجر جالسا ، جاءني رجل فسألني عن : ( { والعاديات ضبحا } ) فقلت له : الخيل حين تغير في سبيل الله ، ثم تأوي إلى الليل ، فيصنعون طعامهم ، ويورون نارهم . فانفتل عني فذهب إلى علي رضي الله عنه ، وهو عند سقاية زمزم فسأله عن ( { والعاديات ضبحا } ) فقال : سألت عنها أحدا قبلي ؟ قال : نعم ، سألت ابن عباس فقال : الخيل حين تغير في سبيل الله . قال : اذهب فادعه لي . فلما وقف على رأسه قال : تفتي الناس بما لا علم لك ، والله لئن كان أول غزوة في الإسلام بدر ، وما كان معنا إلا فرسان : فرس للزبير وفرس للمقداد ، فكيف تكون العاديات ضبحا ؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى .

قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي رضي الله عنه .

وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال : قال علي : إنما ( { والعاديات ضبحا } ) من عرفة إلى المزدلفة ، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : هي الخيل .

وقد قال بقول علي : إنها الإبل جماعة . منهم : إبراهيم وعبيد بن عمير وبقول ابن عباس آخرون ، منهم : مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، وقتادة ، والضحاك . واختاره ابن جرير .

قال ابن عباس وعطاء : ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب .

وقال ابن جريج ، عن عطاء : سمعت ابن عباس يصف الضبح : أح أح .

وقال أكثر هؤلاء في قوله : ( { فالموريات قدحا } ) يعني : بحوافرها . وقيل : أسعرن الحرب بين ركبانهن . قاله قتادة . وعن ابن عباس ومجاهد : ( { فالموريات قدحا } ) يعني : مكر الرجال .

وقيل : هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل .

وقيل : المراد بذلك : نيران القبائل .

وقال من فسرها بالخيل : هو إيقاد النار بالمزدلفة .

وقال ابن جرير : والصواب الأول ; أنها الخيل حين تقدح بحوافرها . وقوله ( { فالمغيرات صبحا } ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : يعني إغارة الخيل صبحا في سبيل الله .

وقال من فسرها بالإبل : هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى .

وقالوا كلهم في قوله : ( { فأثرن به نقعا } ) هو : المكان الذي إذا حلت فيه أثارت به الغبار ، إما في حج أو غزو . وقوله : ( { فوسطن به جمعا } ) قال العوفي ، عن ابن عباس ، وعطاء ، وعكرمة ، وقتادة ، والضحاك : يعني جمع الكفار من العدو .

ويحتمل أن يكون : فوسطن بذلك المكان جميعهن ، ويكون ( { جمعا } ) منصوبا على الحال المؤكدة .

وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثا [ غريبا جدا ] فقال : حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا حفص بن جميع ، حدثنا سماك ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا فأشهرت شهرا لا يأتيه منها خبر ، فنزلت : ( { والعاديات ضبحا } ) ضبحت بأرجلها ( { فالموريات قدحا } ) قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارا ( { فالمغيرات صبحا } ) صبحت القوم بغارة ( { فأثرن به نقعا } ) أثارت بحوافرها التراب ( { فوسطن به جمعا } ) قال : صبحت القوم جميعا .

وقوله : ( { إن الإنسان لربه لكنود } ) هذا هو المقسم عليه ، بمعنى : أنه لنعم ربه لجحود كفور .

قال ابن عباس ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، وأبو الجوزاء ، وأبو العالية ، وأبو الضحى ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن قيس ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وابن زيد : الكنود : الكفور . قال الحسن : هو الذي يعد المصائب ، وينسى نعم ربه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( { إن الإنسان لربه لكنود } ) قال : " الكفور الذي يأكل وحده ، ويضرب عبده ، ويمنع رفده " ) .

ورواه ابن أبي حاتم ، من طريق جعفر بن الزبير - وهو متروك - فهذا إسناد ضعيف . وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث حريز بن عثمان ، عن حمزة بن هانئ ، عن أبي أمامة موقوفا . وقوله : ( { وإنه على ذلك لشهيد } ) قال قتادة وسفيان الثوري : وإن الله على ذلك لشهيد . ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان ، قاله محمد بن كعب القرظي ، فيكون تقديره : وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد ، أي : بلسان حاله ، أي : ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله ، كما قال تعالى : ( { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } ) [ التوبة : 17 ]

وقوله : ( { وإنه لحب الخير لشديد } ) أي : وإنه لحب الخير - وهو : المال - لشديد . وفيه مذهبان :

أحدهما : أن المعنى : وإنه لشديد المحبة للمال .

والثاني : وإنه لحريص بخيل ; من محبة المال . وكلاهما صحيح .

ثم قال تعالى مزهدا في الدنيا ، ومرغبا في الآخرة ، ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال ، وما يستقبله الإنسان من الأهوال : ( { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } ) أي : أخرج ما فيها من الأموات ( { وحصل ما في الصدور } ) قال ابن عباس وغيره : يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم ( { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ) أي : لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون ، مجازيهم عليه أوفر الجزاء ، ولا يظلم مثقال ذرة . آخر [ تفسير ] سورة " والعاديات " ولله الحمد [ والمنة ، وحسبنا الله ]
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 465 - 467
counter free hit invisible