<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وقيل هي مكية بلا خلاف .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة القارعة بمكة .

بسم الله الرحمن الرحيم { القارعة } { ما القارعة } { وما أدراك ما القارعة } { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } { فأما من ثقلت موازينه } { فهو في عيشة راضية } { وأما من خفت موازينه } { فأمه هاوية } { وما أدراك ما هيه } { نار حامية } القارعة من أسماء القيامة ، لأنها تقرع القلوب بالفزع وتقرع أعداء الله بالعذاب ، والعرب تقول : قرعتهم القارعة : إذا وقع بهم أمر فظيع .

قال ابن أحمر : وقارعة من الأيام لولا سبيلهم لراحت عنك حينا وقال آخر : متى نقرع بمروءتكم نسؤكم ولم يوقد لنا في القدر نار والقارعة مبتدأ وخبرها قوله : { ما القارعة } وبالرفع قرأ الجمهور ، وقرأ عيسى بنصبها على تقدير : احذروا القارعة ، والاستفهام للتعظيم والتفخيم لشأنها ، كما تقدم بيانه في قوله : { الحاقة } { ما الحاقة } { وما أدراك ما الحاقة } [ الحاقة : 1 - 3 ] وقيل معنى الكلام على التحذير .

قال الزجاج : والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب ، وأنشد قول الشاعر : لجديرون بالوفاء إذا قال أخو النجدة السلاح السلاح والحمل على معنى التفخيم والتعظيم أولى ، ويؤيده وضع الظاهر موضع الضمير ، فإنه أدل على هذا المعنى .

ويؤيده أيضا قوله : { وما أدراك ما القارعة } فإنه تأكيد لشدة هولها ومزيد فظاعتها حتى كأنها خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية أحد منهم ، وما الاستفهامية مبتدأ ، وأدراك خبرها وما القارعة مبتدأ وخبر ، والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني ، والمعنى : وأي شيء أعلمك ما شأن القارعة ؟ .

ثم بين سبحانه متى تكون القارعة فقال : { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } وانتصاب الظرف بفعل محذوف تدل عليه القارعة : أي تقرعهم يوم يكون الناس إلخ ، ويجوز أن يكون منصوبا بتقدير اذكر .

وقال ابن عطية ، ومكي ، وأبو البقاء : هو منصوب بنفس القارعة ، وقيل هو خبر مبتدأ محذوف وإنما التقدير : ستأتيكم القارعة يوم يكون ، وقرأ زيد بن علي برفع " يوم " على الخبرية للمبتدأ المقدر .

والفراش : الطير الذي تراه يتساقط في النار والسراج والواحدة فراشة ، كذا قال أبو عبيدة وغيره .

قال الفراء : الفراش هو الطائر من بعوض وغيره ، ومنه الجراد .

قال وبه يضرب المثل في الطيش والهوج ، يقال : أطيش من فراشة وأنشد : فراشة الحلم فرعون العذاب وإن يطلب نداه فكلب دونه كلب وقول آخر : وقد كان أقوام رددت حلومهم عليهم وكانوا كالفراش من الجهل والمراد بالمبثوث : المتفرق المنتشر ، يقال : بثه : إذا فرقه ، ومثل هذا قوله سبحانه في آية أخرى { كأنهم جراد منتشر } [ القمر : 7 ] وقال " المبثوث " ولم يقل " المبثوثة " ؛ لأن الكل جائز كما في قوله : { أعجاز نخل منقعر } [ القمر : 20 ] و { أعجاز نخل خاوية } [ الحاقة : 7 ] وقد تقدم بيان وجه ذلك .

{ وتكون الجبال كالعهن المنفوش } أي كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي نفش بالندف ، والعهن عند أهل اللغة : الصوف المصبوغ بالألوان المختلفة ، وقد تقدم بيان هذا في سورة سأل سائل وقد ورد في الكتاب العزيز أوصاف للجبال يوم القيامة ، وقد قدمنا بيان الجمع بينها .

ثم ذكر سبحانه أحوال الناس وتفرقهم فريقين على جهة الإجمال فقال : { فأما من ثقلت موازينه } { فهو في عيشة راضية } قد تقدم القول في الميزان في سورة الأعراف وسورة الكهف وسورة الأنبياء .

وقد اختلف فيها هنا ، فقيل هي جمع موزون ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله ، وبه قال الفراء وغيره ، وقيل هي جمع ميزان ، وهو الآلة التي توضع فيها صحائف الأعمال ، وعبر عنه بلفظ الجمع ، كما يقال لكل حادثة ميزان ، وقيل المراد بالموازين الحجج والدلائل ، كما في قول الشاعر : لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه ومعنى عيشة راضية : مرضية يرضاها صاحبها .

قال الزجاج : أي ذات رضا يرضاها صاحبها ، وقيل عيشة راضية : أي فاعلة للرضا ، وهو اللين والانقياد لأهلها .

والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة .

{ وأما من خفت موازينه } أي رجحت سيئاته على حسناته أو لم تكن له حسنات يعتد بها { فأمه هاوية } أي فمسكنه جهنم ، وسماها أمه ؛ لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه ، والهاوية من أسماء جهنم ، وسميت هاوية ؛ لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت : فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد وقول الآخر : يا عمرو لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية

والمهوى والمهواة : ما بين الجبلين ، وتهاوى القوم في المهواة : إذا سقط بعضهم في إثر بعض . قال قتادة : معنى { فأمه هاوية } : فمصيره إلى النار .

قال عكرمة : لأنه يهوي فيها على أم رأسه .

قال الأخفش : أمه مستقرة .

{ وما أدراك ما هيه } هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع بيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا تحيط بها علوم البشر ولا تدري كنهها .

ثم بينها سبحانه فقال : { نار حامية } أي قد انتهى حرها وبلغ في الشدة إلى الغاية وارتفاع " نار " على أنها خبر مبتدأ محذوف : أي هي نار حامية .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال : القارعة من أسماء يوم القيامة .

وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : { فأمه هاوية } قال : كقوله هوت أمه .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { فأمه هاوية } قال : أم رأسه هاوية في جهنم .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة ؟ فإذا كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية ، فبئست الأم وبئست المربية ) وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب الأنصاري نحوه .

وأخرج ابن المبارك من حديث أبي أيوب نحوه أيضا .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1650
counter free hit invisible