<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( سورة القارعة )

إحدى عشرة آية مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { القارعة } { ما القارعة } { وما أدراك ما القارعة } ) اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ختم السورة المتقدمة بقوله : ( { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ) فكأنه قيل : وما ذلك اليوم ؟ فقيل : هي القارعة .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { القارعة } { ما القارعة } { وما أدراك ما القارعة } ) اعلم أن فيه مسائل :

المسألة الأولى : القرع الضرب بشدة واعتماد ، ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعة ، قال الله تعالى : ( { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } ) [ الرعد : 31 ] ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا ، ومنه المقرعة وقوارع القرآن وقرع الباب ، وتقارعوا : تضاربوا بالسيوف ، واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة ، واختلفوا في لمية هذه التسمية على وجوه :

أحدها : أن سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق : لأن في الصيحة الأولى تذهب العقول ، قال تعالى : ( { فصعق من في السماوات ومن في الأرض } ) [ الزمر : 68 ] وفي الثانية تموت الخلائق سوى إسرافيل ، ثم يميته الله ثم يحييه ، فينفخ الثالثة فيقومون . وروي أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة ، فيحيي الله كل جسد بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة ، والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : ( { ما ينظرون إلا صيحة واحدة } ) [ يس : 49 ] ، ( { فإنما هي زجرة واحدة } ) [ النازعات : 13 ]

وثانيها : أن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكا شديدا عند تخريب العالم ، فبسبب تلك القرعة سمي يوم القيامة بالقارعة .

وثالثها : أن القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والإفزاع ، وذلك في السماوات بالانشقاق والانفطار ، وفي الشمس والقمر بالتكور ، وفي الكواكب بالانتثار ، وفي الجبال بالدك والنسف ، وفي الأرض بالطي والتبديل ، وهو قول الكلبي .

ورابعها : أنها تقرع أعداء الله بالعذاب والخزي والنكال ، وهو قول مقاتل ، قال بعض المحققين وهذا أولى من قول الكلبي لقوله تعالى : ( { وهم من فزع يومئذ آمنون } ) . [ النمل : 89 ]

المسألة الثانية : في إعراب قوله : ( { القارعة } { ما القارعة } ) وجوه :

أحدها : أنه تحذير وقد جاء التحذير بالرفع والنصب تقول : الأسد الأسد ، فيجوز الرفع والنصب .

وثانيها : فيه إضمار أي ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه في قوله : ( { إذا بعثر ما في القبور } ) . [ العاديات : 9 ]

وثالثها : رفع بالابتداء وخبره : ( { ما القارعة } ) وعلى قول قطرب الخبر : ( { وما أدراك ما القارعة } ) فإن قيل : إذا أخبرت عن شيء بشيء فلا بد وأن تستفيد منه علما زائدا ، وقوله : ( { وما أدراك } ) يفيد كونه جاهلا به فكيف يعقل أن يكون هذا خبرا ؟ قلنا : قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد : لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع ، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة .

المسألة الثالثة : قوله : ( { وما أدراك ما القارعة } ) فيه وجوه :

أحدها : معناه لا علم لك بكنهها ، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه ، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال : قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع ، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار ، ولذلك قال في آخر السورة : ( { نار حامية } ) تنبيها على أن نار الدنيا في جنب تلك ليست بحامية ، وصار آخر السورة مطابقا لأولها من هذا الوجه . فإن قيل : ههنا قال : ( { وما أدراك ما القارعة } ) وقال في آخر السورة : ( { فأمه هاوية } { وما أدراك ما هيه } ) ولم يقل : وما أدراك ما هاوية فما الفرق ؟ قلنا : الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس ، أما كونها هاوية فليس كذلك ، فظهر الفرق بين الموضعين .

وثانيها : أن ذلك التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بإخبار الله وبيانه : لأنه بحث عن وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات ، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع .

المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله : ( { الحاقة } { ما الحاقة } { وما أدراك ما الحاقة } ) [ الحاقة : 1- 3 ] ثم قال المحققون : قوله : ( { القارعة } { ما القارعة } ) أشد من قوله : ( { الحاقة } { ما الحاقة } ) لأن النازل آخرا لا بد وأن يكون أبلغ : لأن المقصود منه زيادة التنبيه ، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى ، وأما بالنظر إلى المعنى ، فالحاقة أشد لكونه راجعا إلى معنى العدل ، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 32-32 , الصفحة 67 - 68
counter free hit invisible