<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية عند الجميع .

وروى البخاري أنها مدنية .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت بمكة { ألهاكم التكاثر } .

وأخرج الحاكم ، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم ؟ قالوا : ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم ؟ قال : أما يستطيع أحدكم أن يقرأ { ألهاكم التكاثر } ) .

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق والديلمي عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ في ليلة ألف آية لقي الله وهو ضاحك في وجهه ، قيل يا رسول الله ومن يقوى على ألف آية ؟ فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم { ألهاكم التكاثر } إلى آخرها ، ثم قال : والذي نفسي بيده إنها لتعدل ألف آية ) .

وأخرج مسلم ، والترمذي ، والنسائي وغيرهم عن عبد الله بن الشخير قال ( انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ { ألهاكم التكاثر } - وفي لفظ : وقد أنزلت عليه { ألهاكم التكاثر } - وهو يقول : يقول ابن آدم : مالي مالي . وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ) .

وأخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ولم يذكر فيه قراءة هذه السورة ولا نزولها بلفظ : ( يقول العبد مالي مالي ، وإنما له من ماله ثلاثة : ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو تصدق فأقنى وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس ) .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في الشعب وضعفه عن جرير بن عبد الله قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني قارئ عليكم سورة ألهاكم التكاثر ، فمن بكى فله الجنة ، فقرأها فمنا من بكى ومنا من لم يبك ، فقال الذين لم يبكوا : قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه ، فقال : إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة ، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباك ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { ألهاكم التكاثر } { حتى زرتم المقابر } { كلا سوف تعلمون } { ثم كلا سوف تعلمون } { كلا لو تعلمون علم اليقين } { لترون الجحيم } { ثم لترونها عين اليقين } { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قوله : { ألهاكم التكاثر } أي شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد والتفاخر بكثرتها والتغالب فيها .

يقال : ألهاه عن كذا وألهاه : إذا شغله ، ومنه قول امرئ القيس : فألهيتها عن ذي تمائم محول وقال الحسن : معنى ألهاكم : أنساكم .

{ حتى زرتم المقابر } أي حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال . وقال قتادة : إن التكاثر : التفاخر بالقبائل والعشائر . وقال الضحاك : ألهاكم التشاغل بالمعاش . وقال مقاتل ، وقتادة أيضا وغيرهما : نزلت في اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا . وقال الكلبي : نزلت في حيين من قريش : بني عبد مناف ، وبني سهم تعادوا وتكاثروا بالسيادة والأشراف في الإسلام ، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر قائدا ، فكثر بنو عبد مناف بني سهم ، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم بهم ، فنزلت { ألهاكم التكاثر } فلم ترضوا { حتى زرتم المقابر } مفتخرين بالأموات .

وقيل نزلت في حيين من الأنصار .

والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها .

وفي الآية دليل على أن الاشتغال بالدنيا والمكاثرة بها والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة ، وقال سبحانه : { ألهاكم التكاثر } ولم يقل عن كذا ، بل أطلقه لأن الإطلاق أبلغ في الذم ؛ لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب ، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام ، ولأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم ، كما تقرر في علم البيان ، والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن كل شيء يجب عليكم الاشتغال به من طاعة الله والعمل للآخرة ، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره . هذا على قول من قال : إن معنى { زرتم المقابر } متم ، وأما على قول من قال : إن معنى { زرتم المقابر } ذكرتم الموتى وعددتموهم للمفاخرة والمكاثرة ، فيكون ذلك على طريق التهكم بهم ، وقيل إنهم كانوا يزورون المقابر ، فيقولون هذا قبر فلان ، وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك .

{ كلا سوف تعلمون } ردع وزجر لهم عن التكاثر وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة وفيه وعيد شديد .

قال الفراء : أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر .

ثم كرر الردع والزجر والوعيد فقال : { ثم كلا سوف تعلمون } وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأول ، وقيل الأول عند الموت أو في القبر ، والثاني يوم القيامة .

قال الفراء : هذا التكرار على وجه التغليظ والتأكيد .

قال مجاهد : هو وعيد بعد وعيد .

وكذا قال الحسن ، ومجاهد .

{ كلا لو تعلمون علم اليقين } أي لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينا كعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا ، وجواب " لو " محذوف : أي لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر ، أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير وتركتم ما لا ينفعكم مما أنتم فيه ، وكلا في هذا الموضع الثالث للزجر والردع كالموضعين الأولين .

وقال الفراء : هي بمعنى حقا ، وقيل هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا . قال قتادة : اليقين هنا الموت ، وروي عنه أيضا أنه قال : هو البعث .

قال الأخفش : التقدير لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم .

وقوله : { لترون الجحيم } جواب قسم محذوف ، وفيه زيادة وعيد وتهديد : أي والله لترون الجحيم جواب قسم محذوف ، وفيه زيادة وعيد وتهديد : أي والله لترون الجحيم في الآخرة .

قال الرازي : وليس هذا جواب لو ، لأن جواب لو يكون منفيا ، وهذا مثبت ولأنه عطف عليه { ثم لتسألن } وهو مستقبل لا بد من وقوعه . قال : وحذف جواب لو كثير ، والخطاب للكفار ، وقيل عام كقوله { وإن منكم إلا واردها } [ مريم : 71 ] قرأ الجمهور لترون بفتح التاء مبنيا للفاعل وقرأ الكسائي ، وابن عامر بضمها مبنيا للمفعول .

ثم كرر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال { ثم لترونها عين اليقين } أي ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين ، وهي المشاهدة والمعاينة ، وقيل المعنى : لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم ، ثم لترونها مشاهدة على القرب .

وقيل المراد بالأول رؤيتها قبل دخولها ، والثاني رؤيتها حال دخولها .

وقيل هو إخبار عن دوام بقائهم في النار : أي هي رؤية دائمة متصلة .

وقيل المعنى : لو تعلمون اليوم علم اليقين وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعين قلوبكم ، وهو أن تتصوروا أمر القيامة وأهوالها .

{ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة . قال قتادة : يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة ، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه ، ولم يشكروا رب النعم حيث عبدوا غيره وأشركوا به . قال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار . وقال قتادة : إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه ، وهذا هو الظاهر ، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد ، أو نوع من الأنواع لأن تعريفه للجنس أو الاستغراق ، ومجرد السؤال لا يستلزم تعذيب المسئول على النعمة التي يسأل عنها ، فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها ، وبم عمل فيها ؟ ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر ، وقيل السؤال عن الأمن والصحة ، وقيل عن الصحة والفراغ ، وقيل عن الإدراك بالحواس ، وقيل عن ملاذ المأكول والمشروب ، وقيل عن الغداء والعشاء ، وقيل عن بارد الشراب وظلال المساكن ، وقيل عن اعتدال الخلق ، وقيل عن لذة النوم ، والأولى العموم كما ذكرنا .

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بردة في قوله : { ألهاكم التكاثر } قال : نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا ، فقالت إحداهما : فيكم مثل فلان وفلان ؟ وقال الآخرون مثل ذلك ، تفاخروا بالأحياء . ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور ، فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر ، ومثل فلان ، وفعل الآخرون كذلك ، فأنزل الله { ألهاكم التكاثر } { حتى زرتم المقابر } لقد كان لكم فيما زرتم عبرة وشغل .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { ألهاكم التكاثر } قال : في الأموال والأولاد .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } يعني عن الطاعة { حتى زرتم المقابر } يقول : حتى يأتيكم الموت { كلا سوف تعلمون } يعني لو قد دخلتم قبوركم { ثم كلا سوف تعلمون } يقول : لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم { كلا لو تعلمون علم اليقين } قال : لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم { لترون الجحيم } وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم ، فناج مسلم ومخدوش مسلم ومكدوش في نار جهنم { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } يعني شبع البطون وبارد المشرب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم ) .

وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم مرفوعا نحوه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قال : صحة الأبدان والأسماع والأبصار ، وهو أعلم بذلك منهم ، وهو قوله { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } [ الإسراء : 36 ] وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن مسعود ( عن النبي صلى الله عليه وسلم { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قال : الأمن والصحة ) .

وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال : النعيم : العافية .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : من أكل خبز البر وشرب ماء الفرات مبردا وكان له منزل يسكنه ، فذلك من النعيم الذي يسأل عنه .

وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية : ( أكل خبز البر والنوم في الظل وشرب ماء الفرات مبردا ) .

ولعل رفع هذا لا يصح ، فربما كان من قول أبي الدرداء .

وأخرج أحمد في الزهد وابن مردويه عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال : ( ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقي فيأكلونه ) وهذا مرسل .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما نزلت هذه الآية ( قال الصحابة : يا رسول الله أي نعيم نحن فيه ؟ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير ، فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن قل لهم : أليس تحتذون النعال ، وتشربون الماء البارد ، فهذا من النعيم ) .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وهناد ، وأحمد ، وابن جرير ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن محمود بن لبيد قال : ( لما نزلت { ألهاكم التكاثر } فقرأ حتى بلغ { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قالوا : يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه ؟ وإنما هما الأسودان : الماء والتمر ، وسيوفنا على رقابنا ، والعدو حاضر ، فعن أي نعيم نسأل ؟ قال : أما إن ذلك سيكون ) وأخرجه عبد بن حميد ، والترمذي ، وابن مردويه من حديث أبي هريرة .

وأخرجه أحمد ، والترمذي ، وحسنه ، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن مردويه من حديث الزبير بن العوام .

وأخرجه أحمد في الزهد وعبد بن حميد ، والترمذي ، وابن جرير وابن حبان وابن مردويه ، والحاكم ، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له : ألم نصح لك جسدك ونروك من الماء البارد ؟ ) .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال : ( جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطبا وسقيناهم ماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا من النعيم الذي تسألون عنه ) .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن مردويه ، والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله نحوه .

وأخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة قال : ( خرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو بأبي بكر ، وعمر ، فقال : ما أخرجكما من بيوتكما الساعة ؟ قالا : الجوع يا رسول الله ، قال : والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوما ، فقاما معه ، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحبا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين فلان ؟ قالت : انطلق يستعذب لنا الماء . إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر ، فقال : كلوا من هذا وأخذ المدية ، فقال له رسول الله : إياك والحلوب ، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق وشربوا ، فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ، وعمر : والذي نفسي بيده لنسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ) وفي الباب أحاديث اهـ .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1651 - 1653
counter free hit invisible