<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ ألهاكم التكاثر } [ 1 ] { حتى زرتم المقابر } [ 2 ] { كلا سوف تعلمون } [ 3 ] { ثم كلا سوف تعلمون } [ 4 ] .

( ألهاكم ) أي : شغلكم عما يجب عليكم الاشتغال به ; لأن اللهو شغل يصرف عن تحصيل أمر مهم .

والتكاثر : تفاعل في الكثر أي : التباري في الإكثار من شيء مرغوب في كثرته ، فمنه تكاثر في الأموال ، ومنه تكاثر في العدد من الأولاد والأحلاف للاعتزاز بهم . وقد فسرت الآية بهما . قال تعالى : { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } .

وقال الأعشى : ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر

روى مسلم عن عبد الله بن الشخير قال : ( انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول ( ألهاكم التكاثر ) قال : يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ) فهذا جار مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ساعتئذ وتحتمه الآية .

والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله : { كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون } ، وقوله : { لترون الجحيم } إلى آخر السورة ، ولأن هذا ليس من خلق المسلمين يومئذ .

والمراد بالخطاب : سادتهم وأهل الثراء منهم لقوله : { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } ، ولأن سادة المشركين هم الذين آثروا ما هم فيه من النعمة على التهمم بتلقي دعوة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فتصدوا لتكذيبه وإغراء الدهماء بعدم الإصغاء له . فلم يذكر الملهى عنه لظهور أنه القرآن والتدبر فيه ، والإنصاف بتصديقه . وهذا الإلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه حكايته بالفعل الماضي .

وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا الخلق مذموم عند الله ، وأنه من خصال أهل الشرك ، فيعلمون أنهم محذرون من التلبس بشيء من ذلك ، فيحذرون من أن يلهيهم حب المال عن شيء من فعل الخير ، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير ، قال تعالى يخاطب المؤمنين { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته } الآية .

وقوله : { حتى زرتم المقابر } غاية ، فيحتمل أن يكون غاية لفعل ( ألهاكم ) كما في قوله تعالى : { قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } أي : دام إلهاء التكاثر إلى أن زرتم المقابر ، أي : استمر بكم طول حياتكم ، فالغاية مستعملة في الإحاطة بأزمان المغيا لا في تنهيته وحصول ضده لأنهم إذا صاروا إلى المقابر انقطعت أعمالهم كلها .

ولكون زيارة المقابر على هذا الوجه عبارة عن الحلول فيها ، أي : قبور المقابر . وحقيقة الزيارة الحلول في المكان حلولا غير مستمر ، فأطلق فعل الزيارة هنا تعريضا بهم بأن حلولهم في المقابر يعقبه خروج منها .

والتعبير بالفعل الماضي في ( زرتم ) لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه محقق وقوعه مثل قوله : { أتى أمر الله } .

ويحتمل أن تكون الغاية للمتكاثر به الدال عليه التكاثر ، أي : بكل شيء حتى بالقبور تعدونها . وهذا يجري على ما روى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم ، كما تقدم في سبب نزولها آنفا ، فتكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي ، أي : زرتم المقابر لتعدوا القبور ، والعرب يكنون بالقبر عن صاحبه قال النابغة : لئن كان للقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حارب

وقال عصام بن عبيد الزماني ، أو همام الرقاشي : لو عد قبر وقبر كنت أقربهم قبرا وأبعدهم من منزل الذام

أي : كنت أقربهم منك قبرا ، أي : صاحب قبر . والمقابر جمع مقبرة بفتح الموحدة وبضمها . والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة .

والتوبيخ الذي استعمل فيه الخبر أتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت ، وبحرف الزجر والإبطال بقوله : { كلا سوف تعلمون } ، فأفاد ( كلا ) زجرا وإبطالا لإنهاء التكاثر .

و ( سوف ) لتحقيق حصول العلم . وحذف مفعول ( تعلمون ) لظهور أن المراد : تعلمون سوء مغبة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإسلام .

وأكد الزجر والوعيد بقوله : { ثم كلا سوف تعلمون } ، فعطف عطفا لفظيا بحرف التراخي أيضا للإشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر والوعيد الذي قبله ، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف ( ثم ) اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله .

فجملة { ثم كلا سوف تعلمون } توكيد لفظي لجملة { كلا سوف تعلمون } وعن ابن عباس { كلا سوف تعلمون } ما ينزل بكم من عذاب في القبر { ثم كلا سوف تعلمون } عند البعث أن ما وعدتم به صدق ، أي : تجعل كل جملة مرادا بها تهديد بشيء خاص . وهذا من مستتبعات التراكيب والتعويل على معونة القرائن بتقدير مفعول خاص لكل من فعلي ( تعلمون ) ، وليس تكرير الجملة بمقتض ذلك في أصل الكلام ، ومفاد التكرير حاصل على كل حال .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 519 - 521
counter free hit invisible