<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت { ويل لكل همزة لمزة } بمكة .

بسم الله الرحمن الرحيم { ويل لكل همزة لمزة } { الذي جمع مالا وعدده } { يحسب أن ماله أخلده } { كلا لينبذن في الحطمة } { وما أدراك ما الحطمة } { نار الله الموقدة } { التي تطلع على الأفئدة } { إنها عليهم مؤصدة } { في عمد ممددة } الويل : هو مرتفع على الابتداء ، وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة كونه دعاء عليهم ، وخبره لكل همزة لمزة والمعنى : خزي أو عذاب أو هلكة أو واد في جهنم لكل همزة لمزة .

قال أبو عبيدة ، والزجاج : الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ، وعلى هذا هما بمعنى . وقال أبو العالية ، والحسن ، ومجاهد ، وعطاء بن أبي رباح : الهمزة الذي يغتاب الرجل في وجهه ، واللمزة : الذي يغتابه من خلفه .

وقال قتادة عكس هذا . وروي عن قتادة ، ومجاهد أيضا أن اللمزة : الذي يغتاب الناس في أنسابهم .

وروي عن مجاهد أيضا أن الهمزة : الذي يهمز الناس بيده ، واللمزة : الذي يلمزهم بلسانه .

وقال سفيان الثوري : يهمزهم بلسانه ويلمزهم بعينه . وقال ابن كيسان : الهمزة : الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ ، واللمزة : الذي يكسر عينه على جليسه ويشير بيده وبرأسه وبحاجبه ، والأول أولى ، ومنه قول زياد الأعجم : تدلي بود إذا لاقيتني كذبا وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه وقول الآخر : إذا لقيتك عن سخط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه وأصل الهمزة الكسر ، يقال : همز رأسه كسره ، ومنه قول العجاج : ومن همزنا رأسه تهشما وقيل أصل الهمز واللمز : الضرب والدفع ، يقال : همزه يهمزه همزا ، ولمزه يلمزه لمزا : إذا دفعه وضربه ، ومنه قول الشاعر : ومن همزنا عزه تبركعا على استه زوبعة أو زوبعا البركعة : القيام على أربع ، يقال بركعه فتبركع : أي صرعه فوقع على استه ، كذا في الصحاح .

وبناء " فعلة " يدل على الكثرة ، فيه دلالة على أنه يفعل ذلك كثيرا ، وأنه قد صار ذلك عادة له ، ومثله ضحكة ولعنة .

قرأ الجمهور همزة لمزة بضم أولهما وفتح الميم فيهما .

وقرأ الباقر ، والأعرج بسكون الميم فيهما .

وقرأ أبو وائل ، والنخعي ، والأعمش " ويل للهمزة اللمزة " والآية تعم كل من كان متصفا بذلك ، ولا ينافيه نزولها على سبب خاص ، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

{ الذي جمع مالا وعدده } الموصول بدل من كل ، أو في محل نصب على الذم ، وهذا أرجح ؛ لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح ، وإنما وصفه سبحانه بهذا الوصف لأنه يجري مجرى السبب ، والعلة في الهمز واللمز ، وهو إعجابه بما جمع من المال وظنه أنه الفضل ، فلأجل ذلك يستقصر غيره .

قرأ الجمهور جمع مخففا .

وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي بالتشديد .

وقرأ الجمهور وعدده بالتشديد ، وقرأ الحسن ، والكلبي ، ونصر بن عاصم ، وأبو العالية بالتخفيف ، والتشديد في الكلمتين يدل على التكثير وهو جمع الشيء بعد الشيء وتعديده مرة بعد أخرى .

قال الفراء : معنى عدده أحصاه .

وقال الزجاج : وعدده لنوائب الدهور .

يقال أعددت الشيء وعددته : إذا أمسكته .

قال السدي : أحصى عدده .

وقال الضحاك : أعد ماله لمن يرثه .

وقيل : المعنى : فاخر بكثرته وعدده ، والمقصود ذمه على جمع المال وإمساكه وعدم إنفاقه في سبيل الخير . وقيل : المعنى على قراءة التخفيف في عدده : أنه جمع عشيرته وأقاربه .

قال المهدوي : من خفف وعدده فهو معطوف على المال : أي وجمع عدده .

وجملة يحسب أن ماله أخلده مستأنفة لتقرير ما قبلها ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال : أي يعمل عمل من يظن أن ماله يتركه حيا مخلدا لا يموت .

وقال عكرمة : يحسب أن ماله يزيد في عمره ، والإظهار في موضع الإضمار للتقريع والتوبيخ .

وقيل هو تعريض بالعمل الصالح ، وأنه الذي يخلد صاحبه في الحياة الأبدية ، لا المال .

كلا ردع له عن ذلك الحسبان : أي ليس الأمر على ما يحسبه هذا الذي جمع المال وعدده ، واللام في { لينبذن في الحطمة } جواب قسم محذوف : أي ليطرحن في النار وليلقين فيها .

قرأ الجمهور لينبذن وقرأ علي والحسن ، ومحمد بن كعب ، ونصر بن عاصم ، ومجاهد ، وحميد ، وابن محيصن : " لينبذان " بالتثنية : أي لينبذ هو وماله في النار .

وقرأ الحسن أيضا : " لينبذن " : أي لينبذن ماله في النار .

{ وما أدراك ما الحطمة } هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع حتى كأنها ليست مما تدركه العقول وتبلغه الأفهام .

ثم بينها سبحانه فقال : { نار الله الموقدة } أي هي نار الله الموقدة بأمر الله سبحانه ، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها وتفخيم ، وكذلك في وصفها بالإيقاد : وسميت حطمة لأنها تحطم كل ما يلقى فيها وتهشمه ، ومنه : إنا حطمنا بالقضيب مصعبا يوم كسرنا أنفه ليغضبا قيل : هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم ، وقيل الطبقة الثانية منها ، وقيل الطبقة الرابعة .

{ التي تطلع على الأفئدة } أي يخلص حرها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها ، وخص الأفئدة مع كونها تغشى جميع أبدانهم لأنها محل العقائد الزائغة ، أو لكون الألم إذا وصل إليها مات صاحبها : أي إنهم في حال من يموت وهم لا يموتون .

وقيل معنى { تطلع على الأفئدة } أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب ، وذلك بأمارات عرفها الله بها .

{ إنها عليهم مؤصدة } أي مطبقة مغلقة كما تقدم بيانه في سورة البلد ، يقال أصدت الباب : إذا أغلقته ، ومنه قول قيس بن الرقيات : إن في القصر لو دخلنا غزالا مصيبا موصدا عليه الحجاب { في عمد ممددة } في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم : أي كائنين في عمد ممددة موثقين فيها .

أو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هم في عمد ، أو صفة لمؤصدة : أي مؤصدة بعمد ممددة .

قال مقاتل : أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد ، فلا يفتح عليهم باب ، ولا يدخل عليهم روح .

ومعنى كون العمد ممددة : أنها مطولة ، وهي أرسخ من القصيرة .

وقيل العمد أغلال في جهنم ، وقيل القيود .

قال قتادة : المعنى هم في عمد يعذبون بها ، واختار هذا ابن جرير : قرأ الجمهور في عمد بفتح العين والميم .

قيل هو اسم جمع لعمود .

وقيل جمع له .

قال الفراء : هي جمع لعمود كأديم وأدم

وقال أبو عبيدة : هي جمع عماد وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر بضم العين والميم جمع عمود .

قال الفراء : هما جمعان صحيحان لعمود .

واختار أبو عبيد ، وأبو حاتم قراءة الجمهور .

قال الجوهري : العمود عمود البيت : وجمع القلة أعمدة ، وجمع الكثرة عمد وعمد ، وقرئ بهما .

قال أبو عبيدة : العمود كل مستطيل من خشب أو حديد .

وقد أخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي الدنيا ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : { ويل لكل همزة لمزة } قال : هو المشاء بالنميمة ، المفرق بين الجمع ، المغري بين الإخوان .

وأخرج ابن جرير عنه { ويل لكل همزة } قال : طعان لمزة قال : مغتاب .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عنه أيضا في قوله : { إنها عليهم مؤصدة } قال : مطبقة { في عمد ممددة } قال : عمد من نار .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : هي الأدهم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الأبواب هي الممددة .

وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : أدخلهم في عمد فمدت عليهم في أعناقهم فشدت بها الأبواب .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1654 - 1655
counter free hit invisible