<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ ويل لكل همزة لمزة } { الذي جمع مالا وعدده } { يحسب أن ماله أخلده } { كلا } .

كلمة ( ويل له ) دعاء على المجرور اسمه باللام بأن يناله الويل ، وهو سوء الحال كما تقدم غير مرة ، منها قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله } في سورة البقرة .

والدعاء هنا مستعمل في الوعيد بالعقاب .

وكلمة ( كل ) تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة ، وهم الذين اتخذوا همز المسلمين ولمزهم ديدنا لهم . أولئك الذين تقدم ذكرهم في سبب نزول السورة .

وهمزة ولمزة ، بوزن فعلة صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المصاغ منه ، وأنه صار عادة لصاحبه كقولهم : ضحكة لكثير الضحك ، ولعنة لكثير اللعن . وأصلها : أن صيغة فعل بضم ففتح ترد للمبالغة في فاعل ، كما صرح به الرضي في شرح الكافية يقال : رجل حطم إذا كان قليل الرحمة للماشية أي : والدواب .

ومنه قولهم : ختع ( بخاء معجمة ومثناة فوقية ) وهو الدليل الماهر بالدلالة على الطريق ، فإذا أريدت زيادة المبالغة في الوصف ألحق به الهاء كما ألحقت في : علامة ورحالة ، فيقولون : رجل حطمة وضحكة ومنه همزة ، وبتلك المبالغة الثانية يفيد أن ذلك تفاقم منه حتى صار له عادة قد ضري بها كما في الكشاف ، وقد قالوا : إن عيبة مساو لعيابة ، فمن الأمثلة ما سمع فيه الوصف بصيغتي فعل وفعلة نحو حطم وحطمة بدون هاء وبهاء ، ومن الأمثلة ما سمع فيه فعلة دون فعل نحو رجل ضحكة ، ومن الأمثلة ما سمع فيه فعل دون فعلة وذلك في الشتم مع حرف النداء يا غدر ويا فسق ويا خبث ويا لكع .

قال المرادي في شرح التسهيل قال : بعضهم ولم يسمع غيرها ولا يقاس عليها ، وعن سيبويه أنه أجاز القياس عليها في النداء اهـ . قلت : وعلى قول سيبويه بنى الحريري قوله في المقامة السابعة والثلاثين : صه يا عقق ، يا من هو الشجا والشرق .

وهمزة : وصف مشتق من الهمز . وهو أن يعيب أحد أحدا بالإشارة بالعين أو بالشدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه ، ويقال : هامز وهماز ، وصيغة فعلة يدل على تمكن الوصف من الموصوف .

ووقع ( همزة ) وصفا لمحذوف تقديره : ويل لكل شخص همزة ، فلما حذف موصوفه صار الوصف قائما مقامه فأضيف إليه ( كل ) .

ولمزة : وصف مشتق من اللمز ، وهو المواجهة بالعيب ، وصيغته دالة على أن ذلك الوصف ملكة لصاحبه كما في همزة . وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ ، ومن عامل من المسلمين أحدا من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد .

فمن اتصف بشيء من هذا الخلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه ، فإنها خصلة من خصال أهل الشرك ، وهي ذميمة تدخل في أذى المسلم ، وله مراتب كثيرة بحسب قوة الأذى وتكرره ، ولم يعد من الكبائر إلا ضرب المسلم ، وسب الصحابة رضي الله عنهم .

وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدنا ، فهو راجع إلى إدمان الصغائر وهو معدود من الكبائر .

وأتبع { الذي جمع مالا وعدده } لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص على المال ، وإنما ينشأ ذلك من بخل النفس والتخوف من الفقر ، والمقصود من ذلك دخول أولئك الذين عرفوا بهمز المسلمين ولمزهم ، الذين قيل إنهم سبب نزول السورة لتعيينهم في هذا الوعيد .

واسم الموصول من قوله : { الذي جمع مالا } نعت آخر ، ولم يعطف الذي بالواو ; لأن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يجوز أن يكون بدون عطف نحو قوله تعالى : { ولا تطع كل حلاف مهين } { هماز مشاء بنميم } { مناع للخير معتد أثيم } { عتل بعد ذلك زنيم } .

والمال : مكاسب الإنسان التي تنفعه وتكفي مئونة حاجته من طعام ولباس وما يتخذ منه ذلك ، كالأنعام والأشجار ذات الثمار المثمرة ، وقد غلب لفظ المال في كل قوم من العرب على ما هو كثير من مشمولاتهم ، فغلب اسم المال بين أهل الخيام على الإبل قال زهير : فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه صحيحات مال طالعات بمخزم

يريد إبل الدية ، ولذلك قال : طالعات بمخرم .

وهو عند أهل القرى الذين يتخذون الحوائط يغلب على النخل ، يقولون خرج فلان إلى ماله ، أي : إلى جناته . وفي كلام أبي هريرة : " وإن إخواني الأنصار شغلهم العمل في أموالهم " . وقال أبو طلحة : " وإن أحب أموالي إلي بئرحاء . وغلب عند أهل مكة على الدراهم ; لأن أهل مكة أهل تجر ومن ذلك قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - للعباس أين المال الذي عند أم الفضل .

وتقدم في قوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } سورة آل عمران .

ومعنى ( عدده ) أكثر من عده ، أي : حسابه لشدة ولعه بجمعه ، فالتضعيف للمبالغة في ( عد ) ومعاودته .

وقرأ الجمهور { جمع مالا } بتخفيف الميم . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلف بتشديد الميم مزاوجا لقوله ( عدده ) وهو مبالغة في ( جمع ) . وعلى قراءة الجمهور دل تضعيف عدده على معنى تكلف جمعه بطريق الكناية ; لأنه لا يكرر عده إلا ليزيد جمعه .

ويجوز أن يكون ( عدده ) بمعنى أكثر إعداده ، أي : إعداد أنواعه ، فيكون كقوله تعالى : { والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث } .

وجملة { يحسب أن ماله أخلده } يجوز أن تكون حالا من همزة فيكون مستعملا في التهكم عليه في حرصه على جمع المال وتعديده ; لأنه لا يوجد من يحسب أن ماله يخلده ، فيكون الكلام من قبيل التمثيل ، أو تكون الحال مرادا بها التشبيه وهو تشبيه بليغ .

ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والخبر مستعملا في الإنكار ، أو على تقدير همزة استفهام محذوفة مستعملا في التهكم به بأنه موقن بأن ماله يخلده حتى كأنه حصل إخلاده وثبت .

والهمزة في ( أخلده ) للتعدية ، أي : جعله خالدا .

وقرأ الجمهور ( يحسب ) بكسر السين ، وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر بفتح السين وهما لغتان .

ومعنى الآية : أن الذين جمعوا المال يشبه حالهم حال من يحسب أن المال يقيهم الموت ويجعلهم خالدين ; لأن الخلود في الدنيا أقصى متمناهم ، إذ لا يؤمنون بحياة أخرى خالدة .

و ( كلا ) إبطال لأن يكون المال مخلدا لهم . وزجر عن التلبس بالحالة الشنيعة التي جعلتهم في حال من يحسب أن المال يخلد صاحبه ، أو إبطال للحرص في جمع المال جمعا يمنع به حقوق الله في المال من نفقات وزكاة .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 537 - 539
counter free hit invisible