<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية في قول عطاء ، وجابر ، وأحد قولي ابن عباس ، ومدنية في قول قتادة وآخرين .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت { أرأيت الذي يكذب بالدين } بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله . بسم الله الرحمن الرحيم { أرأيت الذي يكذب بالدين } { فذلك الذي يدع اليتيم } { ولا يحض على طعام المسكين } { فويل للمصلين } { الذين هم عن صلاتهم ساهون } { الذين هم يراءون } { ويمنعون الماعون }

الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له ، والاستفهام لقصد التعجيب من حال من يكذب بالدين .

والرؤية : بمعنى المعرفة ، والدين : الجزاء والحساب في الآخرة .

قيل وفي الكلام حذف ، والمعنى : أرأيت الذي يكذب بالدين أمصيب هو أم مخطئ .

قال مقاتل ، والكلبي : نزلت في العاص بن وائل السهمي .

وقال السدي : في الوليد بن المغيرة .

وقال الضحاك : في عمرو بن عائذ .

وقال ابن جريج في أبي سفيان ، وقيل في رجل من المنافقين .

قرأ الجمهور أرأيت بإثبات الهمزة الثانية .

وقرأ الكسائي بإسقاطها .

قال الزجاج : لا يقال في رأيت ريت ، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفا .

وقيل الرؤية : هي البصرية ، فيتعدى إلى مفعول واحد ، وهو الموصول : أي أبصرت المكذب .

وقيل إنها بمعنى أخبرني ، فيتعدى إلى اثنين ، الثاني محذوف : أي من هو .

{ فذلك الذي يدع اليتيم } الفاء جواب شرط مقدر : أي إن تأملته أو طلبته فذلك الذي يدع اليتيم ، ويجوز أن تكون عاطفة على الذي يكذب : إما عطف ذات على ذات ، أو صفة على صفة .

فعلى الأول يكون اسم الإشارة مبتدأ وخبره الموصول بعده ، أو خبر لمبتدأ محذوف أي : فهو ذلك ، والموصول صفته .

وعلى الثاني يكون في محل نصب لعطفه على الموصول الذي هو في محل نصب .

ومعنى " يدع " يدفع دفعا بعنف وجفوة : أي يدفع اليتيم عن حقه دفعا شديدا ، ومنه قوله سبحانه : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } [ الطور : 13 ] وقد قدمنا أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان .

{ ولا يحض على طعام المسكين } أي لا يحض نفسه ولا أهله ولا غيرهم على ذلك بخلا بالمال ، أو تكذيبا بالجزاء ، وهو مثل قوله في سورة الحاقة { ولا يحض على طعام المسكين } [ الحاقة : 34 ] .

فويل يومئذ { للمصلين } الفاء جواب لشرط محذوف كأنه قيل إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين فويل للمصلين .

{ الذين هم عن صلاتهم ساهون } أي عذاب لهم ، أو هلاك ، أو واد في جهنم لهم كما سبق الخلاف في معنى الويل ، ومعنى ساهون : غافلون غير مبالين بها ، ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر من قبائحهم ، ووضع المصلين موضع ضميرهم للتوصل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر .

قال الواحدي : نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ثوابا إن صلوا ، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا ، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها .

وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء ، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا ، وهو معنى قوله : { الذين هم يراءون } أي يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا ، أو يراءون الناس بكل ما عملوه من أعمال البر ليثنوا عليهم .

قال النخعي : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا وهكذا ملتفتا .

وقال قطرب : هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله .

وقرأ ابن مسعود " الذين هم عن صلاتهم لاهون " .

{ ويمنعون الماعون } .

قال أكثر المفسرين : الماعون اسم لما يتعاوزه الناس بينهم : من الدلو والفأس والقدر ، وما لا يمنع كالماء والملح .

وقيل هو الزكاة : أي يمنعون زكاة أموالهم .

وقال الزجاج : وأبو عبيد ، والمبرد : الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة حتى الفأس والدلو والقدر والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير ، وأنشدوا قول الأعشى : بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم 206 قال الزجاج ، وأبو عبيد ، والمبرد أيضا : والماعون في الإسلام الطاعة والزكاة ، وأنشدوا قول الراعي : أخليفة الرحمن إنا معشر حنفا نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله من أموالنا حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا وقيل الماعون الماء .

قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : الماعون الماء ، وأنشدني :

تمج صبيرة الماعون صبا والصبيرة : السحاب ، وقيل الماعون : هو الحق على العبد على العموم ، وقيل هو المستغل من منافع الأموال ، مأخوذ من المعن ، وهو القليل .

قال قطرب : أصل الماعون من القلة ، والمعن : الشيء القليل ، فسمى الله الصدقة والزكاة ونحو ذلك من المعروف ماعونا ؛ لأنه قليل من كثير ، وقيل هو ما لا يبخل به كالماء والملح والنار .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { أرأيت الذي يكذب بالدين } قال : يكذب بحكم الله { فذلك الذي يدع اليتيم } قال : يدفعه عن حقه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عنه { فويل للمصلين } { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : هم المنافقون يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا ، ويمنعونهم العارية بغضا لهم ، وهي الماعون .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عنه أيضا { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : هم المنافقون يتركون الصلاة في السر ويصلون في العلانية .

وأخرج الفريابي ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وأبو يعلى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال : قلت لأبي : أرأيت قول الله { الذين هم عن صلاتهم ساهون } أينا لا يسهو ، أينا لا يحدث نفسه ؟ قال : إنه ليس ذلك ، إنه إضاعة الوقت .

وأخرج أبو يعلى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط وابن مردويه ، والبيهقي في سننه ( عن سعد بن أبي وقاص قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ) .

قال الحاكم ، والبيهقي : الموقوف أصح .

قال ابن كثير : وهذا يعني : الموقوف أصح إسنادا .

قال : وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه وكذلك الحاكم .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال : ( لما نزلت هذه الآية { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، هذه الآية خير لكم من أن يعطى كل رجل منكم جميع الدنيا ، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته ، وإن تركها لم يخف ربه ) وفي إسناده جابر الجعفي ، وهو ضعيف وشيخه مبهم لم يسم .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : هم الذين يؤخرونها عن وقتها .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وأبو داود ، والنسائي ، والبزار ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط وابن مردويه ، والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال : كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر والفأس والميزان وما تتعاطون بينكم .

وأخرج ابن مردويه عنه قال : كان المسلمون يستعيرون من المنافقين القدر والفأس وشبهه فيمنعونهم ، فأنزل الله { ويمنعون الماعون } وأخرج أبو نعيم ، والديلمي ، وابن عساكر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال : ما تعاون الناس بينهم الفأس والقدر والدلو وأشباهه .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن قرة بن دعموص النميري ( أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ما تعهد إلينا ؟ قال : لا تمنعوا الماعون ، قالوا : وما الماعون ؟ قال : في الحجر والحديدة وفي الماء ، قالوا : فأي الحديدة ؟ قال : قدوركم النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به ، قالوا : وما الحجر ؟ قال : قدوركم الحجارة ) .

قال ابن كثير : غريب جدا ، ورفعه منكر ، وفي إسناده من لا يعرف .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الماعون : الفأس والقدر والدلو .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني ، والحاكم وصححه والبيهقي ، والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في الآية قال : عارية متاع البيت .

وأخرج الفريابي ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال : الماعون الزكاة المفروضة يراءون بصلاتهم { ويمنعون } زكاتهم .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1658 - 1659
counter free hit invisible