<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية في قول ابن عباس ، والكلبي ، ومقاتل ، ومدنية في قول الحسن ، وعكرمة ، ومجاهد ، وقتادة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ، وابن الزبير وعائشة أنها نزلت سورة الكوثر بمكة .

بسم الله الرحمن الرحيم { إنا أعطيناك الكوثر } { فصل لربك وانحر } { إن شانئك هو الأبتر }

قرأ الجمهور { إنا أعطيناك } وقرأ الحسن ، وابن محيصن ، وطلحة ، والزعفراني " أنطيناك " بالنون .

قيل هي لغة العرب العاربة .

قال الأعشى : حباؤك خير حبا الملوك يصان الحلال وتنطي الحلولا و { الكوثر } فوعل من الكثرة وصف به للمبالغة في الكثرة ، مثل النوفل من النفل ، والجوهر من الجهر .

والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرا ، ومنه قول الشاعر : وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا فالمعنى على هذا : إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية .

وذهب أكثر المفسرين كما حكاه الواحدي إلى أن الكوثر نهر في الجنة ، وقيل هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف . قاله عطاء .

وقال عكرمة : الكوثر النبوة .

وقال الحسن : هو القرآن .

وقال الحسن بن الفضل : هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع .

وقال أبو بكر بن عياش : هو كثرة الأصحاب والأمة .

وقال ابن كيسان : هو الإيثار .

وقيل هو الإسلام ، وقيل رفعة الذكر ، وقيل نور القلب ، وقيل الشفاعة ، وقيل المعجزات ، وقيل إجابة الدعوة ، وقيل لا إله إلا الله ، وقيل الفقه في الدين ، وقيل الصلوات الخمس ، وسيأتي بيان ما هو الحق .

{ فصل لربك } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والمراد الأمر له صلى الله عليه وسلم بالدوام على إقامة الصلوات المفروضة { وانحر } البدن التي هي خيار أموال العرب .

قال محمد بن كعب : إن ناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاته ونحره له .

وقال قتادة ، وعطاء ، وعكرمة : المراد صلاة العيد ، ونحر الأضحية .

وقال النحر : وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذا النحر قاله محمد بن كعب .

وقيل هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى حذاء نحره .

وقيل هو أن يستقبل القبلة بنحره قاله الفراء ، والكلبي ، وأبو الأحوص .

قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول نتناحر : أي نتقابل : نحر هذا إلى نحر هذا أي قبالته ، ومنه قول الشاعر : أبا حكم ما أنت عمرا مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر أي المتقابل .

و قال ابن الأعرابي : هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب ، من قولهم : منازلهم تتناحر : تتقابل .

وروي عن عطاء أنه قال : أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره .

وقال سليمان التميمي : المعنى : وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك ، وظاهر الآية الأمر له صلى الله عليه وسلم بمطلق الصلاة ومطلق النحر وأن يجعلهما لله عز وجل لا لغيره ، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص فهو في حكم التقييد له ، وسيأتي إن شاء الله .

{ إن شانئك هو الأبتر } أي إن مبغضك هو المنقطع عن الخير على العموم ، فيعم خيري الدنيا والآخرة ، أو الذي لا عقب له ، أو الذي لا يبقى ذكره بعد موته .

وظاهر الآية العموم ، وأن هذا شأن كل من يبغض النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مر غيره مرة .

قيل كان أهل الجاهلية إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا : قد بتر فلان ، فلما مات ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال : بتر محمد ، فنزلت الآية . وقيل : القائل بذلك عقبة بن أبي معيط . قال أهل اللغة : الأبتر من الرجال : الذي لا ولد له ، ومن الدواب : الذي لا ذنب له ، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر ، وأصل البتر القطع ، يقال بترت الشيء بترا : قطعته .

وقد أخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن أنس قال ( أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة فرفع رأسه مبتسما فقال : إنه أنزل علي آنفا سورة ، فقرأ { إنا أعطيناك الكوثر } حتى ختمها قال : هل تدرون ما الكوثر ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته كعدد الكواكب ، يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي ، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك ) .

وأخرج أيضا مسلم في صحيحه .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر ، قلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ) وقد روي عن أنس من طرق كلها مصرحة بأن الكوثر هو النهر الذي في الجنة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، وابن جرير ، وابن مردويه عن عائشة أنها سئلت عن قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } قالت : هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه نهر في الجنة .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } قال : نهر في الجنة ، وحسن السيوطي إسناده .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عن أسامة بن زيد مرفوعا ( أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر ، فقال : أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ ) .

وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( أن رجلا قال : يا رسول الله ما الكوثر ؟ قال : هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله ) فهذه الأحاديث تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة ، فيتعين المصير إليها ، وعدم التعويل على غيرها ، وإن كان معنى الكوثر : هو الخير الكثير في لغة العرب ، فمن فسره بما هو أعم مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو تفسير ناظر إلى المعنى اللغوي .

كما أخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والترمذي وصححه وابن ماجه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال : قال محارب بن دثار : قال سعيد بن جبير في الكوثر : قلت حدثنا عن ابن عباس أنه قال : هو الخير الكثير ، فقال : صدق ، إنه للخير الكثير . ولكن حدثنا ابن عمر قال نزلت { إنا أعطيناك الكوثر } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت ، تربته أطيب من المسك ، وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ) .

وأخرج البخاري ، وابن جرير ، والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر : هو الخير الذي أعطاه الله إياه . قال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير : فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة ، قال : النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه .

وهذا التفسير من حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه ناظر إلى المعنى اللغوي كما عرفناك ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فسره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل .

وأخرج ابن أبي حاتم ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال : ( لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم { إنا أعطيناك الكوثر } { فصل لربك وانحر } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي ؟ فقال : إنها ليست بنحيرة ، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت ، وإذا ركعت ، وإذا رفعت رأسك من الركوع ، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع ، وإن لكل شيء زينة ، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله { فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } [ المؤمنون : 76 ] ) وهو من طريق مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : ( إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة ، فذاك النحر ) .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري في تاريخه وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والدارقطني في الأفراد وأبو الشيخ ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب في قوله : { فصل لربك وانحر } قال : وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة .

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن شاهين في سننه وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس { فصل لربك وانحر } قال : إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائما .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : الصلاة المكتوبة ، والذبح يوم الأضحى .

وأخرج البيهقي في سننه عنه { وانحر } قال : يقول واذبح يوم النحر .

وأخرج البزار ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس قال : قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش : أنت خير أهل المدينة وسيدهم ، ألا ترى إلى هذا الصابئ المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ، ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة ، قال : أنتم خير منه ، فنزلت : { إن شانئك هو الأبتر } ونزلت { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [ النساء : 44 ] إلى قوله : { فلن تجد له نصيرا } [ النساء : 52 ] قال ابن كثير : وإسناده صحيح .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه عن أبي أيوب قال : لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا : إن هذا الصابئ قد بتر الليلة فأنزل الله { إنا أعطيناك الكوثر } إلى آخر السورة .

وأخرج ابن سعد ، وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ، ثم عبد الله ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم رقية ، فمات القاسم وهو أول ميت من أهله وولده بمكة ، ثم مات عبد الله ، فقال العاص بن وائل السهمي : قد انقطع نسله فهو أبتر ، فأنزل الله { إن شانئك هو الأبتر } وفي إسناده الكلبي .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس { إن شانئك هو الأبتر } قال : أبو جهل . وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه { إن شانئك } يقول : عدوك .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1660 - 1661
counter free hit invisible