<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ إنا أعطيناك الكوثر } { فصل لربك وانحر }

افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر ، والإشعار بأنه شيء عظيم يستتبع الإشعار بتنويه شأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في { إنا أنزلناه في ليلة القدر } والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق .

وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم .

والكوثر : اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زنة فوعل ، وهي من صيغ الأسماء الجامدة غالبا نحو الكوكب ، والجورب ، والحوشب والدوسر ، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها ، ولما وقع هنا فيها مادة الكثر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى ، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة ، وهو أحسن ما فسر به وأضبطه ، ونظيره : جوهر ، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوه ، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء ; لأن الصومعة دقيقة ; لأن طولها أفرط من غلظها .

ويوصف الرجل صاحب الخير الكثير بكوثر من باب الوصف بالمصدر ، كما في قول لبيد في رثاء عوف بن الأحوص الأسدي : وصاحب ملحوب فجعنا بفقده وعند الرداع بيت آخر كوثر

( ملحوب والرداع ) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة ، فوصف البيت بالكوثر ، ولاحظ الكميث هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان : وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقايل كوثرا

وسمي نهر الجنة كوثرا كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفا .

وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير ، وروي عن ابن عباس قال سعيد بن جبير : فقلت لابن عباس : إن ناسا يقولون هو نهر في الجنة ، فقال : هو من الخير الكثير . وعن عكرمة : الكوثر هنا : النبوءة والكتاب ، وعن الحسن : هو القرآن ، وعن المغيرة : أنه الإسلام ، وعن أبي بكر بن عياش : هو كثرة الأمة ، وحكى الماوردي : أنه رفعة الذكر ، وأنه نور القلب ، وأنه الشفاعة . وكلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره .

وأريد من هذا الخبر بشارة النبيء - صلى الله عليه وسلم - وإزالة ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه : هو أبتر ، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر ، إبطالا لقولهم .

وقوله : { فصل لربك } اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ربه عليها ، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله والثناء عليه وذلك شكر لنعمته .

وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء : إنه أبتر ، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه عن الصلاة كما قال تعالى : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } لأنهم إنما نهوه عن الصلاة التي هي لوجه الله دون العبادة لأصنامهم ، وكذلك النحر لله .

والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في قوله : { فصل لربك } دون : فصل لنا ، لما في لفظ الرب من الإيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلا عن فرط إنعامه .

وإضافة ( رب ) إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتقريبه ، وفيه تعريض بأنه يربه ويرأف به .

ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر - خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له ، ألا ترى أنه لم يذكر الأمر بالنحر مع الصلاة في قوله تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } في سورة الحجر .

ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صد المشركين إياه عن البيت في الحديبية ، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيرا كثيرا ، أي : قدره له في المستقبل وعبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه ، فيكون معنى الآية كمعنى قوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } فإنه نزل في أمر الحديبية فقد قال له عمر بن الخطاب : أفتح هذا ؟ قال : نعم .

وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير : أن قوله : { فصل لربك وانحر } أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرف من الحديبية .

وأفادت اللام من قوله ( لربك ) أنه يخص الله في صلاته فلا يصلي لغيره . ففيه تعريض للمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها .

وعطف ( وانحر ) على { فصل لربك } يقتضي تقدير متعلقه مماثلا لمتعلق { فصل لربك } لدلالة ما قبله عليه كما في قوله تعالى : { أسمع بهم وأبصر } أي : وأبصر بهم ، فالتقدير : وانحر له . وهو إيماء إلى إبطال نحر المشركين قربانا للأصنام ، فإن كانت السورة مكية ، فلعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اقترب وقت الحج وكان يحج كل عام قبل البعثة وبعدها وقد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته ، وهو يود أن يطعم المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم ويتحرج من أن يشارك أهل الشرك في أعمالهم ، فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعمها المسلمين ، أي : لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناويا بما تنحره أنه لله .

وإن كانت السورة مدنية وكان نزولها قبل فرض الحج كان النحر مرادا به الضحايا يوم عيد النحر ، ولذلك قال كثير من الفقهاء : إن قوله : { فصل لربك } مراد به صلاة العيد . وروي ذلك عن مالك في تفسير الآية وقال : لم يبلغني فيه شيء .

وأخذوا من وقوع الأمر بالنحر بعد الأمر بالصلاة دلالة على أن الضحية تكون بعد الصلاة ، وعليه فالأمر بالنحر دون الذبح مع أن الضأن أفضل في الضحايا وهي لا تنحر ، وأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يضح إلا بالضأن تغليب للفظ النحر وهو الذي روعي في تسمية يوم الأضحى يوم النحر ، وليشمل الضحايا في البدن والهدايا في الحج أو ليشمل الهدايا التي عطل إرسالها في يوم الحديبية كما علمت آنفا . ويرشح إيثار النحر رعي فاصلة الراء في السورة . وللمفسرين الأولين أقوال أخر في تفسير ( انحر ) تجعله لفظا غريبا .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 573 - 575
counter free hit invisible