<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( سورة الكوثر ) .

ثلاث آيات ، مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) .

اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف :

إحداها : أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة :

أولها : البخل وهو المراد من قوله : ( { يدع اليتيم } { ولا يحض على طعام المسكين } ) [ الماعون : 3 ] .

الثاني : ترك الصلاة وهو المراد من قوله : ( { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ) [ الماعون : 5 ] .

والثالث : المرآة في الصلاة وهو المراد من قوله : ( { الذين هم يراءون } ) [ الماعون : 6 ] .

والرابع : المنع من الزكاة وهو المراد من قوله : ( { ويمنعون الماعون } ) [ الماعون : 7 ] فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة ، فذكر في مقابلة البخل قوله : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) أي إنا أعطيناك الكثير ، فأعط أنت الكثير ولا تبخل ، وذكر في مقابلة : ( { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ) [ الماعون : 5 ] قوله : ( فصل ) أي دم على الصلاة ، وذكر في مقابلة : ( { الذين هم يراءون } ) قوله : ( لربك ) أي ائت بالصلاة لرضا ربك ، لا لمراءاة الناس ، وذكر في مقابلة : ( { ويمنعون الماعون } ) قوله : ( وانحر ) وأراد به التصدق بلحم الأضاحي ، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة ، ثم ختم السورة بقوله : ( { إن شانئك هو الأبتر } ) أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دنياه أثر ولا خبر ، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل ، وفي الآخرة الثواب الجزيل .

والوجه الثاني : في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ثلاث درجات : أعلاها : أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله .

وثانيها : أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية .

وثالثها : أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة ، فقوله : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) إشارة إلى المقام الأول وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف ، أما بالكم فلأنها أكثر مقدمات ، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالا من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح ، وأما قوله : ( { فصل لربك } ) فهو إشارة إلى المرتبة الثانية ، وقوله : ( وانحر ) إشارة إلى المرتبة الثالثة ، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح ، ثم قال : ( { إن شانئك هو الأبتر } ) ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة ، أنها دائرة فانية ، وإنما الباقيات الصالحات خير عند ربك ، وهي السعادات الروحانية والمعارف الربانية التي هي باقية أبدية ، ولنشرع الآن في التفسير .

قوله تعالى : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) اعلم أن فيه فوائد :

الفائدة الأولى : أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وكالأصل لما بعدها من السور أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور ؛ فلأن الله تعالى جعل سورة : ( والضحى ) في مدح محمد عليه الصلاة والسلام وتفصيل أحواله ، فذكر في أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته :

أولها : قوله : ( { ما ودعك ربك وما قلى } ) [ الضحى : 2 ] .

وثانيها : قوله : ( { وللآخرة خير لك من الأولى } ) [ الضحى : 3 ] .

وثالثها : ( { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ) [ الضحى : 4 ] ثم ختم هذه السورة بذكر ثلاثة أحوال من أحواله عليه السلام فيما يتعلق بالدنيا وهي قوله : ( { ألم يجدك يتيما فآوى } { ووجدك ضالا فهدى } { ووجدك عائلا فأغنى } ) . [ الضحى : 6 ] .

ثم ذكر في سورة : ( ألم نشرح ) أنه شرفه بثلاثة أشياء :

أولها : ( { ألم نشرح لك صدرك } ) [ الشرح : 1 ] .

وثانيها : ( { ووضعنا عنك وزرك } { الذي أنقض ظهرك } ) ، [ الشرح : 3 ] .

وثالثها : ( { ورفعنا لك ذكرك } ) [ الشرح : 4 ] .

ثم إنه تعالى شرفه في سورة التين بثلاثة أنواع من التشريف :

أولها : أنه أقسم ببلده وهو قوله : ( { وهذا البلد الأمين } ) [ التين : 3 ] .

وثانيها : أنه أخبر عن خلاص أمته عن النار وهو قوله : ( { إلا الذين آمنوا } ) [ التين : 6 ] .

وثالثها : وصولهم إلى الثواب وهو قوله : ( { فلهم أجر غير ممنون } ) [ التين : 6 ] .

ثم شرفه في سورة " اقرأ " بثلاثة أنواع من التشريفات :

أولها : ( { اقرأ باسم ربك } ) [ العلق : 1 ] أي اقرأ القرآن على الحق مستعينا باسم ربك .

وثانيها : أنه قهر خصمه بقوله : ( { فليدع ناديه سندع الزبانية } ) [ العلق : 19 ] .

وثالثها : أنه خصه بالقربة التامة وهو : ( { واسجد واقترب } ) [ العلق : 19 ] .

وشرفه في سورة القدر بليلة القدر التي لها ثلاثة أنواع من الفضيلة :

أولها : كونها : ( { خير من ألف شهر } ) [ القدر : 3 ] .

وثانيها : نزول : ( { الملائكة والروح فيها } ) [ القدر : 4 ] .

وثالثها : كونها : ( { سلام هي حتى مطلع الفجر } ) [ القدر : 5 ] .



وشرفه في سورة : ( لم يكن ) بأن شرف أمته بثلاثة تشريفات :

أولها : أنهم : ( { خير البرية } ) [ البينة : 7 ]

وثانيها أن : ( { جزاؤهم عند ربهم جنات } ) [ البينة : 8 ] .

وثالثها : ( { رضي الله عنهم } ) . وشرفه في سورة " إذا زلزلت " بثلاث تشريفات :

أولها : قوله : ( { يومئذ تحدث أخبارها } ) [ الزلزلة : 4 ] وذلك يقتضي أن الأرض تشهد يوم القيامة لأمته بالطاعة والعبودية .

والثاني : قوله : ( { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } ) [ الزلزلة : 6 ] وذلك يدل على أنه تعرض عليهم طاعاتهم فيحصل لهم الفرح والسرور .

وثالثها : قوله : ( { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ) [ الزلزلة : 7 ] ومعرفة الله لا شك أنها أعظم من كل عظيم فلا بد وأن يصلوا إلى ثوابها ، ثم شرفه في سورة العاديات بأن أقسم بخيل الغزاة من أمته فوصف تلك الخيل بصفات ثلاث : ( { والعاديات ضبحا } { فالموريات قدحا } { فالمغيرات صبحا } ) [ العاديات : 1 ] .

ثم شرف أمته في سورة ( القارعة ) بأمور ثلاثة :

أولها : ( { فمن ثقلت موازينه } ) .

وثانيها : أنهم ( { في عيشة راضية } ) .

وثالثها : أنهم يرون أعداءهم في ( { نار حامية } ) .

ثم شرفه في سورة ( ألهاكم ) بأن بين أن المعرضين عن دينه وشرعه يصيرون معذبين من ثلاثة أوجه :

أولها : أنهم يرون الجحيم .

وثانيها : أنهم يرونها عين اليقين .

وثالثها : أنهم يسألون عن النعيم .

ثم شرف أمته في سورة (والعصر) بأمور ثلاثة :

أولها : الإيمان : ( { إلا الذين آمنوا } ) [ التين : 6 ] .

وثانيها : ( { وعملوا الصالحات } ) .

وثالثها : إرشاد الخلق إلى الأعمال الصالحة ، وهو التواصي بالحق ، والتواصي بالصبر .

ثم شرفه في سورة الهمزة بأن ذكر أن من همز ولمز ، فله ثلاثة أنواع من العذاب :

أولها : أنه لا ينتفع بدنياه البتة ، وهو قوله : ( { يحسب أن ماله أخلده } { كلا } ) [ الهمزة : 3 ، 4 ] .

وثانيها : أنه ينبذ في الحطمة .

وثالثها : أنه يغلق عليه تلك الأبواب حتى لا يبقى له رجاء في الخروج ، وهو قوله : ( { إنها عليهم مؤصدة } ) . [ الهمزة : 8 ] .

ثم شرفه في سورة ( الفيل ) بأن رد كيد أعدائه في نحرهم من ثلاثة أوجه :

أولها : جعل كيدهم في تضليل .

وثانيها : أرسل عليهم طيرا أبابيل .

وثالثها : ( جعلهم كعصف مأكول ) .

ثم شرفه في سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه :

أولها : جعلهم مؤتلفين متوافقين ( { لإيلاف قريش } ) .

وثانيها : ( { أطعمهم من جوع } ) .

وثالثها : أنه ( آمنهم من خوف ) .

وشرفه في سورة الماعون ، بأن وصف المكذبين بدينه بثلاثة أنواع من الصفات المذمومة :

أولها : الدناءة واللؤم ، وهو قوله : ( { يدع اليتيم } { ولا يحض على طعام المسكين } ) [ الماعون : 3 ] .

وثانيها : ترك تعظيم الخالق ، وهو قوله : ( { عن صلاتهم ساهون } { الذين هم يراءون } ) [ الماعون : 5 ] .

وثالثها : ترك انتفاع الخلق ، وهو قوله : ( { ويمنعون الماعون } ) [ الماعون : 6 ] .



ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة ، قال بعدها : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) أي : إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة المذكورة في السور المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها ، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب ، وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم ، أما عبادة الرب فإما بالنفس ، وهو قوله : ( { فصل لربك } ) وإما بالمال ، وهو قوله : ( وانحر ) وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم ، فهو قوله : ( { يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) [ الكافرون : 2 ] فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وأما أنها كالأصل لما بعدها ، فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله : ( { يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم ، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم في نصرة أديانهم ، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب ما لا يثير سائر المطاعن ، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا ، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له ، وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه ، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف كان يخاف من فرعون وعسكره ، وأما ههنا فإن محمدا عليه السلام لما كان مبعوثا إلى جميع أهل الدنيا ، كان كل واحد من الخلق ، كفرعون بالنسبة إليه ، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيرا لطيفا ، وهو أنه قدم على تلك السورة ، هذه السورة فإن قوله : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه :

أحدها : أن قوله : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) أي الخير الكثير في الدنيا والدين ، فيكون ذلك وعدا من الله إياه بالنصرة والحفظ ، وهو كقوله : ( { يا أيها النبي حسبك الله } ) [ الأنفال : 64 ] وقوله : ( { والله يعصمك من الناس } ) [ المائدة : 67 ] وقوله : ( { إلا تنصروه فقد نصره الله } ) [ التوبة : 40 ] ومن كان الله تعالى ضامنا لحفظه ، فإنه لا يخشى أحدا .

وثانيها : أنه تعالى لما قال : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة ، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة ، والخلف في كلام الله تعالى محال ، فوجب في حكمة الله تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات ، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه ، ولا يقهرونه ، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد والقوة .

وثالثها : أنه عليه السلام لما كفرهم وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده ، وقالوا : إن كنت تفعل هذا طلبا للمال فنعطيك من المال ما تصير به أغنى الناس ، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا ، وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيسا على أنفسنا ، فقال الله تعالى : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) أي لما أعطاك خالق السماوات والأرض خيرات الدنيا والآخرة ، فلا تغتر بمالهم ومراعاتهم .

ورابعها : أن قوله تعالى : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة ، فهذا يقوم مقام قوله : ( { وكلم الله موسى تكليما } ) [ النساء : 164 ] بل هذا أشرف ؛ لأن المولى إذا شافه عبده بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى ، بل يفيد قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس ، فثبت أن مخاطبة الله إياه بقوله : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس ، فقدم هذه السورة على سورة : ( { قل يا أيها الكافرون } ) [ الكافرون : 1 ] حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم ، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري ، فانظر كيف أنجزت لك الوعد ، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع ، إن أهل الدنيا يدخلون في دين الله أفواجا ، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة ، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن ؛ وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورا على الدنيا ، أو يكون طالبا للآخرة ، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان ، ثم يكون مصيره إلى النار ، وهو المراد من سورة تبت ، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات ، وقد ثبت في العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين : منهم من عرف الصانع ، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته ، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى ، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور . ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين ، فبدأ بذكر صفات الله وشرح جلاله ، وهو سورة : ( { قل هو الله أحد } ) [ الإخلاص : 1 ] ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة : ( { قل أعوذ برب الفلق } ) [ الفلق : 1 ] ثم ختم الأمر بذكر مراتب النفس الإنسانية ، وعند ذلك ختم الكتاب ، وهذه الجملة إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل ، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم .

الفائدة الثانية في قوله : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) هي أن كلمة : ( إنا ) تارة يراد بها الجمع وتارة يراد بها التعظيم .

أما الأول : فقد دل على أن الإله واحد ، فلا يمكن حمله على الجمع ، إلا إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون ، حين سأل إبراهيم إرسالك ، فقال : ( { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ) [ البقرة : 129 ] وقال موسى : رب اجعلني من أمة أحمد . وهو المراد من قوله : ( { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } ) [ القصص : 44 ] وبشر بك المسيح في قوله : ( { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } ) [ الصف : 6 ] .

وأما الثاني : وهو أن يكون ذلك محمولا على التعظيم ، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب هو جبار السماوات والأرض والموهوب منه ، هو المشار إليه بكاف الخطاب في قوله تعالى : ( { إنا أعطيناك } ) والهبة هي الشيء المسمى بالكوثر ، وهو ما يفيد المبالغة في الكثرة ، ولما أشعر اللفظ بعظم الواهب والموهوب منه والموهوب ، فيا لها من نعمة ما أعظمها ، وما أجلها ، ويا له من تشريف ما أعلاه .



الفائدة الثالثة : أن الهدية وإن كانت قليلة لكنها بسبب كونها واصلة من المهدي العظيم تصير عظيمة ، ولذلك فإن الملك العظيم إذا رمى تفاحة لبعض عبيده على سبيل الإكرام يعد ذلك إكراما عظيما ، لا لأن لذة الهدية في نفسها ، بل لأن صدورها من المهدي العظيم يوجب كونها عظيمة ، فههنا الكوثر وإن كان في نفسه في غاية الكثرة ، لكنه بسبب صدوره من ملك الخلائق يزداد عظمة وكمالا .

الفائدة الرابعة : أنه لما قال : ( أعطيناك ) قرن به قرينة دالة على أنه لا يسترجعها ، وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة أنه يجوز للأجنبي أن يسترجع موهوبه ، فإن أخذ عوضا وإن قل لم يجز له ذلك الرجوع ؛ لأن من وهب شيئا يساوي ألف دينار إنسانا ، ثم طلب منه مشطا يساوي فلسا فأعطاه ، سقط حق الرجوع فههنا لما قال : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) طلب منه الصلاة والنحر ، وفائدته إسقاط حق الرجوع .

الفائدة الخامسة : أنه بنى الفعل على المبتدأ ، وذلك يفيد التأكيد ، والدليل عليه أنك لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصبر مشتاقا إلى معرفة أنه بماذا يخبر عنه ، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة ومن ههنا تعرف الفخامة في قوله : ( { فإنها لا تعمى الأبصار } ) [ الحج : 46 ] فإنه أكثر فخامة مما لو قال : فإن الأبصار لا تعمى ، ومما يحقق قولنا قول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له : أنا أعطيك ، أنا أكفيك ، أنا أقوم بأمرك ، وذلك إذا كان الموعود به أمرا عظيما قلما تقع المسامحة به فعظمه يورث الشك في الوفاء به ، فإذا أسند إلى المتكفل العظيم ، فحينئذ يزول ذلك الشك ، وهذه الآية من هذا الباب لأن الكوثر شيء عظيم ، قلما تقع المسامحة به ، فلما قدم المبتدأ ، وهو قوله : ( إنا ) صار ذلك الإسناد مزيلا لذلك الشك ودافعا لتلك الشبهة .

الفائدة السادسة : أنه تعالى صدر الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم ، وكلام الصادق مصون عن الخلف ، فكيف إذا بالغ في التأكيد ؟

الفائدة السابعة : قال : ( أعطيناك ) ولم يقل : سنعطيك لأن قوله : ( أعطيناك ) يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلا في الماضي ، وهذا فيه أنواع من الفوائد :

إحداها : أن من كان في الزمان الماضي أبدا عزيزا مرعي الجانب مقضي الحاجة أشرف ممن سيصير كذلك ، ولهذا قال عليه السلام : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) .

وثانيها : أنها إشارة إلى أن حكم الله بالإسعاد والإشقاء والإغناء والإفقار ، ليس أمرا يحدث الآن ، بل كان حاصلا في الأزل .

وثالثها : كأنه يقول : إنا قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية ؟ .

ورابعها : كأنه تعالى يقول : نحن ما اخترناك وما فضلناك ، لأجل طاعتك ، وإلا كان يجب أن لا نعطيك إلا بعد إقدامك على الطاعة ، بل إنما اخترناك بمجرد الفضل والإحسان منا إليك من غير موجب ، وهو إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام : ( قبل من قبل لا لعلة ، ورد من رد لا لعلة ) .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 32-32 , الصفحة 110 - 115
counter free hit invisible