<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

تفسير سورة قل يا أيها الكافرون

وهي مكية .

ثبت في صحيح مسلم ، عن جابر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهذه السورة ، وب " { قل هو الله أحد } " في ركعتي الطواف ) .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في ركعتي الفجر .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن ابن عمر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ، بضعا وعشرين مرة - أو : بضع عشرة مرة - " { قل يا أيها الكافرون } " و " { قل هو الله أحد } " ) .

وقال أحمد أيضا : حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، ( عن ابن عمر قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين - أو : خمسا وعشرين - مرة ، يقرأ في الركعتين قبل الفجر ، والركعتين بعد المغرب ب " { قل يا أيها الكافرون } " و " { قل هو الله أحد } " ) .

وقال أحمد : حدثنا أبو أحمد - هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري - ، حدثنا سفيان - هو الثوري - ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ( عن ابن عمر قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا ، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر ب " { قل يا أيها الكافرون } " و " { قل هو الله أحد } " ) .

وكذا رواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث أبي أحمد الزبيري ، وأخرجه النسائي من وجه آخر ، عن أبي إسحاق به ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن .

وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن ، و " إذا زلزلت " تعدل ربع القرآن .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق ( عن فروة ابن نوفل - هو ابن معاوية - عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " هل لك في ربيبة لنا تكفلها ؟ " قال : أراها زينب . قال : ثم جاء فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عنها ، قال : " ما فعلت الجارية ؟ " قال : تركتها عند أمها . قال : " فمجيء ما جاء بك ؟ " قال : جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي . قال : " اقرأ : " { قل يا أيها الكافرون } " ثم نم على خاتمتها ، فإنها براءة من الشرك " ) . تفرد به أحمد .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عمرو القطراني ، حدثنا محمد بن الطفيل ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن جبلة بن حارثة - وهو أخو زيد بن حارثة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( " إذا أويت إلى فراشك فاقرأ : " { قل يا أيها الكافرون } " حتى تمر بآخرها ، فإنها براءة من الشرك " ) [ والله أعلم وهو حسبي ونعم الوكيل ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن فروة بن نوفل ( عن الحارث بن جبلة قال : قلت : يا رسول الله ، علمني شيئا أقوله عند منامي . قال : " إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ : " { قل يا أيها الكافرون } " فإنها براءة من الشرك " ) .

وروى الطبراني من طريق شريك ، عن جابر ، عن معقل الزبيدي ، عن [ عباد أبي الأخضر ، عن خباب ] ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه قرأ : " { قل يا أيها الكافرون } " حتى يختمها ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { قل يا أيها الكافرون } ( 1 ) { لا أعبد ما تعبدون } ( 2 ) { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( 3 ) { ولا أنا عابد ما عبدتم } ( 4 ) { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( 5 ) { لكم دينكم ولي دين } ( 6 ) )

هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون ، وهي آمرة بالإخلاص فيه ، فقوله : ( { قل يا أيها الكافرون } ) شمل كل كافر على وجه الأرض ، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش .

وقيل : إنهم من جهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة ، ويعبدون معبوده سنة ، فأنزل الله هذه السورة ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية ، فقال : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) يعني : من الأصنام والأنداد ( { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ) وهو الله وحده لا شريك له . ف " ما " هاهنا بمعنى " من " .

ثم قال : ( { ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد } ) أي : ولا أعبد عبادتكم ، أي : لا أسلكها ولا أقتدي بها ، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه ; ولهذا قال : ( { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ) أي : لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته ، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم ، كما قال : ( { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ) [ النجم : 23 ] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه ، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده ، وعبادة يسلكها إليه ، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه ; ولهذا كان كلمة الإسلام " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله " أي : لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله ; ولهذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم : ( { لكم دينكم ولي دين } ) كما قال تعالى : ( { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون } ) [ يونس : 41 ] وقال : ( { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } ) [ القصص : 55 ] .

وقال البخاري : يقال : ( { لكم دينكم } ) الكفر ( { ولي دين } ) الإسلام . ولم يقل : " ديني " لأن الآيات بالنون ، فحذف الياء ، كما قال : ( { فهو يهدين } ) [ الشعراء : 78 ] و ( { يشفين } ) [ الشعراء : 80 ] وقال غيره : لا أعبد ما تعبدون الآن ، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، وهم الذين قال : ( { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ) [ المائدة : 64 ] .

انتهى ما ذكره .

ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد ، كقوله : ( { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } ) [ الشرح : 5 ، 6 ] وكقوله : ( { لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين } ) التكاثر : 6 ، 7 ] وحكاه بعضهم - كابن الجوزي ، وغيره - عن ابن قتيبة ، فالله أعلم . فهذه ثلاثة أقوال : أولها ما ذكرناه أولا . الثاني : ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد : ( { لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } ) في الماضي ( { ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد } ) في المستقبل . الثالث : أن ذلك تأكيد محض .

وثم قول رابع ، نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه ، وهو أن المراد بقوله : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) نفي الفعل لأنها جملة فعلية ( { ولا أنا عابد ما عبدتم } ) نفي قبوله لذلك بالكلية ; لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل ، وكونه قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا . وهو قول حسن أيضا ، والله أعلم .

وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة : ( { لكم دينكم ولي دين } ) على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى ، وبالعكس ; إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به ; لأن الأديان - ما عدا الإسلام - كلها كالشيء الواحد في البطلان . وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس ; لحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " لا يتوارث أهل ملتين شتى " ) .

آخر تفسير سورة " { قل يا أيها الكافرون } " ولله الحمد والمنة .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 506 - 508
counter free hit invisible