<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

سورة الكافرون

وهي ست آيات

وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة . ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك وفي الترمذي من حديث أنس : ( أنها تعدل ثلث القرآن ) . وفي كتاب ( الرد لأبي بكر الأنباري ) : أخبرنا عبد الله بن ناجية قال : حدثنا يوسف قال حدثنا القعنبي وأبو نعيم عن موسى بن وردان عن أنس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( قل يأيها الكافرون تعدل ربع القرآن ) . ورواه موقوفا عن أنس . وخرج الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد عن ابن عمر قال : ( صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه صلاة الفجر في سفر ، فقرأ قل يأيها الكافرون . و قل هو الله أحد ، ثم قال : قرأت بكم ثلث القرآن وربعه . ) وروى جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( " أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا " ؟ قلت : نعم . قال : " فاقرأ هذه السور الخمس من أول { قل يا أيها الكافرون } إلى - { قل أعوذ برب الناس } وافتتح قراءتك ببسم الله الرحمن الرحيم " . قال : فوالله لقد كنت غير كثير المال ، إذا سافرت أكون أبذهم هيئة ، وأقلهم زادا ، فمذ قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة ، وأكثرهم زادا ، حتى أرجع من سفري ذلك ) . وقال فروة بن نوفل الأشجعي : ( قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أوصني قال : " اقرأ عند منامك قل يأيها الكافرون ، فإنها براءة من الشرك " . ) خرجه أبو بكر الأنباري وغيره . وقال ابن عباس : ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها ؛ لأنها توحيد وبراءة من الشرك . وقال الأصمعي : كان يقال لـ قل يأيها الكافرون ، وقل هو الله أحد المقشقشتان ؛ أي أنهما تبرئان من النفاق . وقال أبو عبيدة : كما يقشقش الهناء الجرب فيبرئه . وقال ابن السكيت : يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف ، وللجرب في الإبل إذا قفل : قد توسف جلده ، وتقشر جلده ، وتقشقش جلده .

بسم الله الرحمن الرحيم { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } { ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد } ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس : أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ؛ لقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا ، كنا قد شاركناك فيه ، وأخذنا بحظنا منه . وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك ، كنت قد شركتنا في أمرنا ، وأخذت بحظك منه ؛ فأنزل الله - عز وجل - { قل يا أيها الكافرون } .

وقال أبو صالح عن ابن عباس : أنهم قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك ؛ فنزل جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه السورة فيئسوا منه ، وآذوه ، وآذوا أصحابه . والألف واللام ترجع إلى معنى المعهود وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لأي ؛ لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كفره ، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم . ونحوه عن الماوردي : نزلت جوابا ، وعنى بالكافرين قوما معينين . لا جميع الكافرين ؛ لأن منهم من آمن ، فعبد الله ، ومنهم من مات أو قتل على كفره . ، وهم المخاطبون بهذا القول ، وهم المذكورون . قال أبو بكر بن الأنباري : وقرأ من طعن في القرآن : قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون ، وزعم أن ذلك هو الصواب ، وذلك افتراء على رب العالمين ، وتضعيف لمعنى هذه السورة ، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين بخطابه إياهم بهذا الخطاب الزري ، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لب وحجا . وذلك أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل ، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى ، وتزيد تأويلا ليس عندهم في باطلهم وتحريفهم . فمعنى قراءتنا : قل للذين كفروا : يأيها الكافرون ؛ دليل صحة هذا : أن العربي إذا قال لمخاطبه : قل لزيد : أقبل إلينا ، فمعناه قل لزيد : يا زيد أقبل إلينا . فقد وقعت قراءتنا على كل ما عندهم ، وسقط من باطلهم أحسن لفظ وأبلغ معنى ؛ إذ كان الرسول - عليه السلام - يعتمدهم في ناديهم ، فيقول لهم : يأيها الكافرون . وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر ، ويدخلوا في جملة أهله إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد ، أو تقع به من جهتهم أذية . فمن لم يقرأ : قل يأيها الكافرون ، كما أنزلها الله ، أسقط آية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وسبيل أهل الإسلام ألا يسارعوا إلى مثلها ، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه ، التي منحه الله إياها ، وشرفه بها .

وأما وجه التكرار فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم ؛ كما تقول : والله لا أفعل كذا ، ثم والله لا أفعله . قال أكثر أهل المعاني : نزل القرآن بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز ؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد ؛ قال الله تعالى : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } . { ويل يومئذ للمكذبين } . { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون } . و { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } . كل هذا على التأكيد . وقد يقول القائل : ارم ارم ، أعجل أعجل ؛ ومنه قوله - عليه السلام - في الحديث الصحيح : ( فلا آذن ، ثم لا آذن ، إنما فاطمة بضعة مني ) . خرجه مسلم . وقال الشاعر : هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا وقال آخر : يا لبكر أنشروا لي كليبا يا لبكر أين أين الفرار وقال آخر : يا علقمه يا علقمه يا علقمه خير تميم كلها وأكرمه وقال آخر : يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع وقال آخر : ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ثلاث تحيات وإن لم تكلم ومثله كثير . وقيل : هذا على مطابقة قولهم : تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، ثم نعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، فنجري على هذا أبدا سنة وسنة . فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده ؛ أي إن هذا لا يكون أبدا . قال ابن عباس : قالت قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - : نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة ، ونزوجك من شئت ، ونطأ عقبك ؛ أي نمشي خلفك ، وتكف عن شتم آلهتنا ، فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة هي لنا ولك صلاح ، تعبد آلهتنا ( اللات والعزى ) سنة ، ونحن نعبد إلهك سنة ؛ فنزلت السورة . فكان التكرار في لا أعبد ما تعبدون ؛ لأن القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة . والله أعلم . وقيل : إنما كرر بمعنى التغليظ . وقيل : أي لا أعبد الساعة ما تعبدون ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد . ثم قال : ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم ولا أنتم في المستقبل عابدون ما أعبد . قاله الأخفش والمبرد . وقيل : إنهم كانوا يعبدون الأوثان ، فإذا ملوا وثنا ، وسئموا العبادة له ، رفضوه ، ثم أخذوا وثنا غيره بشهوة نفوسهم ، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه ورفعوا تلك ، فعظموها ونصبوها آلهة يعبدونها ؛ فأمر - عليه السلام - أن يقول لهم : { لا أعبد ما تعبدون } اليوم من هذه الآلهة التي بين أيديكم .

ثم قال : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } وإنما تعبدون الوثن الذي اتخذتموه ، وهو عندكم الآن . { ولا أنا عابد ما عبدتم } أي بالأمس من الآلهة التي رفضتموها ، وأقبلتم على هذه . { ولا أنتم عابدون ما أعبد } فإني أعبد إلهي . وقيل : إن قوله تعالى : { لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } في الاستقبال . { ولا أنا عابد ما عبدتم } على نفي العبادة منه لما عبدوا في الماضي . { ولا أنتم عابدون ما أعبد } على التكرير في اللفظ دون المعنى ، من قبل أن التقابل يوجب أن يكون : ولا أنتم عابدون ما عبدت ، فعدل عن لفظ عبدت إلى أعبد ، إشعارا بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل ، مع أن الماضي والمستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر . وأكثر ما يأتي ذلك في أخبار الله - عز وجل - .

وقال : ما أعبد ، ولم يقل : من أعبد ؛ ليقابل به ولا أنا عابد ما عبدتم وهي أصنام وأوثان ، ولا يصلح فيها إلا ما دون من فحمل الأول على الثاني ، ليتقابل الكلام ولا يتنافى . وقد جاءت ما لمن يعقل . ومنه قولهم : سبحان ما سخركن لنا . وقيل : إن معنى الآيات وتقديرها : قل يأيها الكافرون لا أعبد الأصنام التي تعبدونها ، ولا أنتم عابدون الله - عز وجل - الذي أعبده ؛ لإشراككم به ، واتخاذكم الأصنام ، فإن زعمتم أنكم تعبدونه ، فأنتم كاذبون ؛ لأنكم تعبدونه مشركين . فأنا لا أعبد ما عبدتم ، أي مثل عبادتكم ؛ فما مصدرية . وكذلك ولا أنتم عابدون ما أعبد مصدرية أيضا ؛ معناه ولا أنتم عابدون مثل عبادتي ، التي هي توحيد .
الكتاب تفسير القرطبي , الجزء 20-20 , الصفحة 199 - 203
counter free hit invisible