<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } { ولا أنتم عابدون ما أعبد } { ولا أنا عابد ما عبدتم } { ولا أنتم عابدون ما أعبد } { لكم دينكم ولي دين } ) .

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة ، على أن يعبد نبي الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة ، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك : ( قل ) يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة ، على أن يعبدوا إلهك سنة ( { يا أيها الكافرون } ) بالله ( { لا أعبد ما تعبدون } ) من الآلهة والأوثان الآن ( { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ) الآن

( { ولا أنا عابد } ) فيما أستقبل

( { ما عبدتم } ) فيما مضى ( { ولا أنتم عابدون } ) فيما تستقبلون أبدا ( { ما أعبد } ) أنا الآن ، وفيما أستقبل . وإنما قيل ذلك كذلك ؛ لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين ، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا ، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه ، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه ، وحدثوا به أنفسهم ، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم ، في وقت من الأوقات ، وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم ، ومن أن يفلحوا أبدا ، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا ، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف ، وهلك بعض قبل ذلك كافرا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وجاءت به الآثار .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن موسى الحرشي ، قال : ثنا أبو خلف ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، ( عن ابن عباس : أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ، ويزوجوه ما أراد من النساء ، ويطئوا عقبه ، فقالوا له : هذا لك عندنا يا محمد ، وكف عن شتم آلهتنا ، فلا تذكرها بسوء ، فإن لم تفعل ، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ، فهي لك ولنا فيها صلاح . قال : " ما هي ؟ " قالوا : تعبد آلهتنا سنة : اللات والعزى ، ونعبد إلهك سنة ، قال : " حتى أنظر ما يأتي من عند ربي " فجاء الوحي من اللوح المحفوظ : ( { قل يا أيها الكافرون } ) السورة ، وأنزل الله : ( { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ) . . . إلى قوله : ( { فاعبد وكن من الشاكرين } ) ) .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني سعيد بن مينا مولى البختري قال : ( لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأمية بن خلف ، رسول الله ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشركك في أمرنا كله ، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا ، كنا قد شركناك فيه ، وأخذنا بحظنا منه ; وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك ، كنت قد شركتنا في أمرنا ، وأخذت منه بحظك ، فأنزل الله : ( { قل يا أيها الكافرون } ) ) حتى انقضت السورة .

وقوله : ( { لكم دينكم ولي دين } )

يقول تعالى ذكره : لكم دينكم فلا تتركونه أبدا ؛ لأنه قد ختم عليكم ، وقضي أن لا تنفكوا عنه ، وأنكم تموتون عليه ، ولي ديني الذي أنا عليه ، لا أتركه أبدا ؛ لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله : ( { لكم دينكم ولي دين } ) قال : للمشركين ; قال : واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون ، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء ، وبما جاءوا به من عند الله ، ويكفرون برسول الله ، وبما جاء به من عند الله ، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا ، قال : إلا العصابة التي بقوا ، حتى خرج بختنصر ، فقالوا : عزير ابن الله ، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى ، قالوا : المسيح ابن الله وعبدوه .

وكان بعض أهل العربية يقول : كرر قوله : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) وما بعده على وجه التوكيد ، كما قال : ( { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } ) ، وكقوله : ( { لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين } ) .

آخر تفسير سورة الكافرون
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 24-24 , الصفحة 659 - 663
counter free hit invisible