<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ ألر }

تقدم القول على الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة وغيرها من نظرائها وما سورة يونس ببعيد .



{ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير }

القول في الافتتاح بقوله : كتاب وتنكيره مماثل لما في قوله : { كتاب أنزل إليك } في سورة الأعراف .

والمعنى أن القرآن كتاب من عند الله فلماذا يعجب المشركون من ذلك ويكذبون به . فـ كتاب مبتدأ ، سوغ الابتداء ما فيه من التنكير للنوعية .

و { من لدن حكيم خبير } خبر و { أحكمت آياته } صفة لـ كتاب ، ولك أن تجعل { أحكمت آياته } صفة مخصصة ، وهي مسوغ الابتداء . ولك أن تجعل أحكمت هو الخبر . وتجعل { من لدن حكيم خبير } ظرفا لغوا متعلقا بـ أحكمت وفصلت

والإحكام : إتقان الصنع ، مشتق من الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف . وهي إتقان الأشياء بحيث تكون سالمة من الأخلال التي تعرض لنوعها ، أي جعلت آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع ومن أخلال المعنى واللفظ . وتقدم عند قوله - تعالى : { منه آيات محكمات } في أول سورة آل عمران . وبهذا المعنى تنبئ المقابلة بقوله : { من لدن حكيم }

وآيات القرآن : الجمل المستقلة بمعانيها المختتمة بفواصل . وقد تقدم وجه تسمية جمل القرآن بالآيات عند قوله - تعالى : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } في أوائل سورة البقرة ، وفي المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . والتفصيل : التوضيح والبيان . وهو مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه ، فصار كناية مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني . وقد تقدم عند قوله - تعالى : { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } في سورة الأنعام .

ونظيره : الفرق ، كنى به عن البيان فسمي القرآن فرقانا . وعن الفصل فسمي يوم بدر يوم الفرقان ، ومنه في ذكر ليلة القدر { فيها يفرق كل أمر حكيم } .

وثم للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح .

و { من لدن حكيم خبير } أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته ، وإيضاح التبيين لقوة علمه . والخبير : العالم بخفايا الأشياء ، وكلما كثرت الأشياء كانت الإحاطة بها أعز ، فالحكيم مقابل لـ أحكمت ، والخبير مقابل لـ فصلت . وهما وإن كانا متعلق العلم ومتعلق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا على وفق العلم ، إلا أنه روعي في المقابلة الفعل الذي هو أثر إحدى الصفتين أشد تبادرا فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 12-12 , الصفحة 314 - 315
counter free hit invisible