<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } ) .

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش ، والفتح : فتح مكة ( { ورأيت الناس } ) من صنوف العرب وقبائلها أهل اليمن منهم ، وقبائل نزار ( { يدخلون في دين الله أفواجا } ) يقول : في دين الله الذي ابتعثك به ، وطاعتك التي دعاهم إليها أفواجا ، يعني زمرا ، فوجا فوجا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ما قلنا في قوله : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) :

حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) : فتح مكة .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) النصر حين فتح الله عليه ونصره .

حدثني إسماعيل بن موسى ، قال : أخبرنا الحسين بن عيسى الحنفي ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي حازم ، ( عن ابن عباس ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، إذ قال : " الله أكبر ، الله أكبر ، جاء نصر الله والفتح ، جاء أهل اليمن " ، قيل : يا رسول الله ، وما أهل اليمن ؟ قال : " قوم رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية " ) .

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثني عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن مسروق ، ( عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : سبحان الله وبحمده ، وأستغفر الله وأتوب إليه ; قالت : فقلت : يا رسول الله أراك تكثر قول : سبحان الله وبحمده ، وأستغفر الله وأتوب إليه ، فقال : " خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي ، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده ، وأستغفره وأتوب إليه ، فقد رأيتها ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) فتح مكة ( { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } ) " ) .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، ( عن عائشة ، قالت : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يكثر قبل موته من قول سبحان الله وبحمده ثم ذكر نحوه ) .

حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد ، عن داود ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، ( عن عكرمة قال : لما نزلت : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) قال النبي صلى الله عليه وسلم : "جاء نصر الله والفتح ، وجاء أهل اليمن " قالوا : يا نبي الله ، وما أهل اليمن ؟ قال : " رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية " ) . وأما قوله : ( أفواجا ) فقد تقدم ذكره في معنى أقوال أهل التأويل .

وقد حدثني الحارث ، قال : ثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( { في دين الله أفواجا } ) قال : زمرا زمرا .

وقوله : ( { فسبح بحمد ربك } )

يقول : فسبح ربك وعظمه بحمده وشكره ، على ما أنجز لك من وعده . فإنك حينئذ لاحق به ، وذائق ما ذاق من قبلك من رسله من الموت .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سألهم عن قول الله تعالى : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) قالوا : فتح المدائن والقصور ، قال : فأنت يا بن عباس ما تقول : قلت : مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يدنيه ، فقال له عبد الرحمن : إن لنا أبناء مثله ، فقال عمر : إنه من حيث تعلم ، قال : فسأله عمر عن قول الله : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) السورة ، فقال ابن عباس : أجله ، أعلمه الله إياه ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس ، قال : قال عمر رضي الله عنه : ما هي ؟ يعني ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) قال ابن عباس ، ( { إذا جاء نصر الله } ) حتى بلغ : ( واستغفره ) إنك ميت ( { إنه كان توابا } ) فقال عمر : ما نعلم منها إلا ما قلت .

قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس قال : لما نزلت ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) علم النبي أنه نعيت إليه نفسه ، فقيل له : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) إلى آخر السورة .

حدثنا أبو كريب وابن وكيع ، قالا ثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، ( عن ابن عباس ، قال : لما نزلت ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعيت إلي نفسي ، كأني مقبوض في تلك السنة " ) .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) قال : ذاك حين نعى له نفسه يقول : إذا ( { رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } ) يعني إسلام الناس ، يقول : فذاك حين حضر أجلك ( { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } ) .

حدثني أبو السائب وسعيد بن يحيى الأموي ، قالا ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، ( عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت : " سبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك وأتوب إليك " قالت : فقلت : يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك قد أحدثتها تقولها ؟ قال : " قد جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) إلى آخر السورة ) " .

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : ( قالت عائشة : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أنزلت عليه هذه السورة ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) لا يقول قبلها : سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي " ) .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، ( عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : " سبحانك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر لي " يتأول القرآن ) .

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، قال داود : لا أعلمه إلا عن مسروق ، وربما قال عن مسروق ، ( عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : " سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه " فقلت : إنك تكثر من هذا ، فقال : " إن ربي قد أخبرني أني سأرى علامة في أمتي ، وأمرني إذا رأيت تلك العلامة أن أسبح بحمده ، وأستغفره إنه كان توابا ، فقد رأيتها ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) " ) .

حدثنا أبو السائب ، قال : ثنا حفص ، قال : ثنا عاصم ، عن الشعبي ، ( عن أم سلمة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ، ولا يذهب ولا يجيء إلا قال : " سبحان الله وبحمده " فقلت : يا رسول الله ، إنك تكثر من سبحان الله وبحمده ، لا تذهب ولا تجيء ، ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت : سبحان الله وبحمده ، قال : " إني أمرت بها " ) فقال : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) إلى آخر السورة .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا ابن إسحاق ، عن بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار ، قال : نزلت سورة ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) كلها بالمدينة بعد فتح مكة ، ودخول الناس في الدين ، ينعى إليه نفسه .

قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن زياد بن الحصين ، عن أبي العالية ، قال : ( لما نزلت : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) ونعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ، كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى يقول : " سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك " ) .

قال : ثنا الحكم بن بشير ، قال : ثنا عمرو ، قال : ( لما نزلت : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) كان النبي صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول : " سبحانك اللهم وبحمدك ، رب اغفر لي وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم " ) .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) قرأها كلها . قال ابن عباس : هذه السورة علم وحد حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ونعى له نفسه ؛ أي : إنك لن تعيش بعدها إلا قليلا . قال قتادة : والله ما عاش بعد ذلك إلا قليلا سنتين ، ثم توفي صلى الله عليه وسلم .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي معاذ عيسى بن أبي يزيد ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، ( عن ابن مسعود ، قال : لما نزلت : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) كان يكثر أن يقول : " سبحانك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، إنك أنت التواب الغفور " ) .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قول الله : ( { إذا جاء نصر الله والفتح } ) : كانت هذه السورة آية لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( { واستغفره إنه كان توابا } ) قال : اعلم أنك ستموت عند ذلك .

وقوله : ( واستغفره )

يقول : وسله أن يغفر ذنوبك .

يقول : إنه كان ذا رجوع لعبده المطيع إلى ما يحب . والهاء من قوله " إنه " من ذكر الله عز وجل .

آخر تفسير سورة النصر
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 24-24 , الصفحة 664 - 671
counter free hit invisible