<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية في قول الحسن ، وعكرمة ، وعطاء ، وجابر ، ومدنية في أحد قولي ابن عباس ، وقتادة ، وأخرج أحمد ، والبزار ، والطبراني ، وابن مردويه من طرق - قال السيوطي : صحيحة - عن ابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين في المصحف يقول : لا تخلطوا القرآن بما ليس منه إنهما ليستا من كتاب الله ، إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما ، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما .

قال البزار : لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف .

وأخرج أحمد ، والبخاري ، والنسائي وغيرهم عن زر بن حبيش قال ( أتيت المدينة فلقيت أبي بن كعب ، فقلت له : أبا المنذر إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه ، فقال : أما والذي بعث محمدا بالحق لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سألته غيرك ، قال : قيل لي : قل ، فقلت فقولوا فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هاتين السورتين ، فقال : قيل لي ، فقلت فقولوا كما قلت ) .

وأخرج مسلم ، والترمذي ، والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنزلت علي الليلة آيات لم أر مثلهن قط { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } ) وأخرج ابن الضريس ، وابن الأنباري ، والحاكم وصححه وابن مردويه في الشعب عن عقبة بن عامر قال ( قلت يا رسول الله : أقرئني سورة يوسف وسورة هود ، قال : يا عقبة اقرأ بقل أعوذ برب الفلق ، فإنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله وأبلغ منها ، فإذا استطعت أن لا تفوتك فافعل ) .

وأخرج ابن سعد ، والنسائي ، والبغوي ، والبيهقي عن أبي حابس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يا أبا حابس أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون ؟ قال بلى يا رسول الله ، قال : { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } هما المعوذتان ) .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه ، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان ومن عين الإنس ، فلما نزلت سورة المعوذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك ) .

وأخرج أبو داود ، والنسائي ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال ، ومنها أنه كان يكره الرقى إلا بالمعوذتين ) .

وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحب السور إلى الله { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } ) .

وأخرج النسائي ، وابن الضريس ، وابن حبان في صحيحه وابن الأنباري ، وابن مردويه ( عن جابر بن عبد الله قال : أخذ بمنكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : اقرأ ، قلت : ما أقرأ بأبي أنت وأمي ؟ قال : { قل أعوذ برب الفلق } ثم قال : اقرأ ، قلت بأبي أنت وأمي ما أقرأ ؟ قال : { قل أعوذ برب الناس } ، ولم تقرأ بمثلهما ) .

وأخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده عليه رجاء بركتهما ) .

وأخرجه البخاري ، ومسلم في صحيحيهما من طريق مالك بالإسناد المذكور .

وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن زيد بن أرقم قال ( سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود ، فاشتكى فأتاه جبريل ، فنزل عليه بالمعوذتين ، وقال : إن رجلا من اليهود سحرك ، والسحر في بئر فلان ، فأرسل عليا فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية ويحل حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال ) .

وأخرجه ابن مردويه ، والبيهقي من حديث عائشة مطولا ، وكذلك أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عباس .

وقد ورد في فضل المعوذتين ، وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما في الصلاة وغيرهما أحاديث ، وفيما ذكرناه كفاية .

وأخرج الطبراني في الصغير عن علي بن أبي طالب قال ( لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي ، فلما فرغ قال : لعن الله العقرب لا تدع مصليا ولا غيره ، ثم دعا بماء وملح وجعل يمسح عليها ويقرأ : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد ، وقل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ) . بسم الله الرحمن الرحيم { قل أعوذ برب الفلق } { من شر ما خلق } { ومن شر غاسق إذا وقب } { ومن شر النفاثات في العقد } { ومن شر حاسد إذا حسد }

الفلق الصبح ، يقال : هو أبين من فلق الصبح ، وسمي فلقا لأنه يفلق عنه الليل ، وهو فعل بمعنى مفعول : قال الزجاج : لأن الليل ينفلق عنه الصبح ، ويكون بمعنى مفعول ، يقال : هو أبين من فلق الصبح ، ومن فرق الصبح ، وهذا قول جمهور المفسرين ، ومنه قول ذي الرمة : حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق هادئة في أخريات الليل منتصب

وقول الآخر : يا ليلة لم أنمها بت مرتفقا أرعى النجوم إلى أن نور الفلق

وقيل هو سجن في جهنم ، وقيل هو اسم من أسماء جهنم ، وقيل شجرة في النار ، وقيل هو الجبال والصخور ، لأنها تفلق بالمياه أي تشقق ، وقيل هو التفليق بين الجبال ؛ لأنها تنشق من خوف الله .

قال النحاس : يقال لكل ما اطمأن من الأرض فلق ، ومنه قول زهير : ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت أيدي الركاب بهم من راكس فلقا

والراكس : بطن الوادي

ومثله قول النابغة : ودوني راكس فالضواجع

وقيل هو الرحم تنفلق بالحيوان ، وقيل هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله من الحيوان والصبح والحب والنوى وكل شيء من نبات وغيره قاله الحسن ، والضحاك .

قال القرطبي : هذا القول يشهد له الانشقاق ، فإن الفلق الشق ، فلقت الشيء فلقا : شققته ، والتفليق مثله ، يقال فلقته فانفلق وتفلق ، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق .

قال الله سبحانه { فالق الإصباح } [ الأنعام : 96 ] وقال { فالق الحب والنوى } [ الأنعام : 95 ] انتهى .

والقول الأول أولى لأن المعنى وإن كان أعم منه وأوسع مما تضمنه لكنه المتبادر عند الإطلاق .

وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه ، وقيل طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرح ، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع الصباح ، كذلك الخائف يكون مترقبا لطلوع صباح النجاح ، وقيل غير هذا مما هو مجرد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير .

{ من شر ما خلق } متعلق بأعوذ : أي من شر كل ما خلقه سبحانه من جميع مخلوقاته فيعم جميع الشرور ، وقيل هو إبليس وذريته ، وقيل جهنم ، ولا وجه لهذا التخصيص كما أنه لا وجه لتخصيص من خصص هذا العموم بالمضار البدنية .

وقد حرف بعض المتعصبين هذه الآية مدافعة عن مذهبه وتقويما لباطله ، فقرؤوا بتنوين شر على أن ما نافية ، والمعنى : من شر لم يخلقه ومنهم عمرو بن عبيد ، وعمرو بن عائذ .

{ ومن شر غاسق إذا وقب } الغاسق الليل ، والغسق الظلمة ، يقال غسق الليل يغسق إذا أظلم .

قال الفراء : يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم ، ومنه قول قيس بن الرقيات : إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا

وقال الزجاج : قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار ، والغاسق : البارد ، والغسق البرد ، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها والهوام من أماكنها وينبعث أهل الشر على العبث والفساد ، كذا قال ، وهو قول بارد ، فإن أهل اللغة على خلافه ، وكذا جمهور المفسرين .

ووقوبه : دخول ظلامه ، ومنه قول الشاعر : وقب العذاب عليهم فكأنهم لحقتهم نار السموم فأخمدوا

أي دخل العذاب عليهم ، ويقال وقبت الشمس : إذا غابت ، وقيل الغاسق الثريا ، وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين ، وإذا طلعت ارتفع ذلك ، وبه قال ابن زيد .

وهذا محتاج إلى نقل عن العرب أنهم يصفون الثريا بالغسوق .

وقال الزهري : هو الشمس إذا غربت ، وكأنه لاحظ معنى الوقوب ولم يلاحظ معنى الغسوق ، وقيل هو القمر إذا خسف ، وقيل إذا غاب .

وبهذا قال قتادة وغيره ، واستدلوا بحديث أخرجه أحمد ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه ، وابن مردويه ( عن عائشة قالت نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى القمر لما طلع فقال : يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا ، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب ) .

قال الترمذي بعد إخراجه : حسن صحيح ، وهذا لا ينافي قول الجمهور ؛ لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه ، وهكذا يقال في جواب من قال إنه الثريا .

قال ابن الأعرابي في تأويل هذا الحديث : وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة القمر .

وقيل الغاسق : الحية إذا لدغت .

وقيل الغاسق : كل هاجم يضر كائنا ما كان ، من قولهم غسقت القرحة : إذا جرى صديدها .

وقيل الغاسق هو السائل ، وقد عرفناك أن الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله أهل القول الأول ، ووجه تخصيصه أن الشر فيه أكثر ، والتحرز من الشرور فيه أصعب ، ومنه قولهم : الليل أخفى للويل .

{ ومن شر النفاثات في العقد } النفاثات هن السواحر : أي ومن شر النفوس النفاثات ، أو النساء النفاثات ، والنفث النفخ كما يفعل ذلك من يرقي ويسحر ، قيل مع ريق ، وقيل بدون ريق ، والعقد جمع عقدة ، وذلك أنهن كن ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن بها ، ومنه قول عنترة : فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يفقد فحق له الفقود

وقول متمم بن نويرة : نفث في الخيط شبيه الرقى من خشية الجنة والحاسد قال أبو عبيدة : النفاثات هن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي ، سحرن النبي صلى الله عليه وسلم .

قرأ الجمهور النفاثات جمع نفاثة على المبالغة .

وقرأ يعقوب ، وعبد الرحمن بن ساباط ، وعيسى بن عمر " النافثات " جمع نافثة .

وقرأ الحسن " النفاثات " بضم النون .

وقرأ أبو الربيع " النفثات " بدون ألف .

{ ومن شر حاسد إذا حسد } الحسد : تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود ، ومعنى إذا حسد : إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود .

قال عمر بن عبد العزيز : لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد ، وقد نظم الشاعر هذا المعنى فقال : قل للحسود إذا تنفس طعنة يا ظالما وكأنه مظلوم

ذكر الله سبحانه في هذه السورة إرشاد رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الاستعاذة من شر كل مخلوقاته على العموم ، ثم ذكر بعض الشرور على الخصوص مع اندراجه تحت العموم لزيادة شره ومزيد ضره ، وهو الغاسق والنفاثات والحاسد ، فكأن هؤلاء لما فيهم من مزيد الشر حقيقون بإفراد كل واحد منهم بالذكر .

وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة قال ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ { قل أعوذ برب الفلق } فقال : يا ابن عبسة أتدري ما الفلق ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : بئر في جهنم ) .

وأخرجه ابن أبي حاتم من قول عمرو بن عبسة غير مرفوع .

وأخرج ابن مردويه ( عن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ { قل أعوذ برب الفلق } هل تدري ما الفلق ؟ باب في النار إذا فتحت سعرت جهنم ) وأخرج ابن مردويه ، والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل : { قل أعوذ برب الفلق } فقال : هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون ، وإن جهنم لتتعوذ بالله منه ) .

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ( عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الفلق جب في جهنم ) .

وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان المصير إليها واجبا ، والقول بها متعينا .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الفلق سجن في جهنم .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : الفلق الصبح .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه قال : الفلق الخلق .

وأخرج ابن جرير ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ( قوله : { ومن شر غاسق إذا وقب } وقال : النجم هو الغاسق ، وهو الثريا ) .

وأخرجه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من وجه آخر عنه غير مرفوع .

وقد قدمنا تأويل ما ورد أن الغاسق القمر .

وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ارتفعت النجوم رفعت كل عاهة عن كل بلد ) وهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن الغاسق هو النجم أو النجوم .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس { ومن شر غاسق إذا وقب } قال : الليل إذا أقبل .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { ومن شر النفاثات في العقد } قال : الساحرات .

وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : هو ما خالط السحر من الرقى .

وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ، ومن تعلق شيئا وكل إليه ) .

وأخرج ابن سعد ، وابن ماجه ، والحاكم ، وابن مردويه ( عن أبي هريرة قال : جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني فقال : ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل ؟ فقلت : بلى بأبي أنت وأمي ، قال : بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد فرقى بها ثلاث مرات ) .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { ومن شر حاسد إذا حسد } قال : نفس ابن آدم وعينه اهـ .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1670 - 1671
counter free hit invisible