<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ الر } تقدم الكلام على الحروف المقطعة في فاتحة سورة البقرة وعلى نظير هذه الحروف في سورة يونس .



{ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } الكلام على تركيب { الر كتاب أنزلناه إليك } كالكلام على قوله تعالى { المص } { كتاب أنزلناه إليك } عدا هذه الآية ذكر فيها فاعل الإنزال وهو معلوم من مادة الإنزال المشعرة بأنه وارد من قبل العالم العلوي ، فللعلم بمنزلة حذف الفاعل في آية سورة الأعراف ، وهو مقتضى الظاهر والإيجاز ، ولكنه ذكرها هنا لأن المقام مقام الامتنان على الناس المستفاد من التعليل بقوله { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ، ومن ذكر صفة الربوبية بقوله { بإذن ربهم } ، بخلاف آية سورة الأعراف فإنها في مقام الطمأنة والتصبير للنبي - عليه الصلاة والسلام - المنزل إليه الكتاب ، فكان التعرض لذكر المنزل إليه والاقتصار عليه أهم في ذلك المقام مع ما فيه من قضاء حق الإيجاز . أما التعرض للمنزل إليه هنا فللتنويه بشأنه ، وليجعل له حظ في هذه المنة وهو حظ الوساطة ، كما دل عليه قوله { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ، ولما فيه من غم المعاندين والمبغضين للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

ولأجل هذا المقصد وقع إظهار صفات فاعل الإنزال ثلاث مرات في قوله { بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } بعد أن كان المقام للإضمار تبعا لقوله أنزلناه .

وإسناد الإخراج إلى النبيء - عليه الصلاة والسلام - لأنه يبلغ هذا الكتاب المشتمل على تبيين طرق الهداية إلى الإيمان وإظهار فساد الشرك والكفر ، وهو مع التبليغ يبين للناس ويقرب إليهم معاني الكتاب بتفسيره وتبيينه ، ثم بما يبنيه عليه من المواعظ والنذر والبشارة . وإذ قد أسند الإخراج إليه في سياق تعليل إنزال الكتاب إليه علم أن إخراجه إياهم من الظلمات بسبب هذا الكتاب المنزل ، أي : بما يشتمل عليه من معاني الهداية .

وتعليل الإنزال بالإخراج من الظلمات دل على أن الهداية هي مراد الله تعالى من الناس ، وأنه لم يتركهم في ضلالهم ، فمن اهتدى فبإرشاد الله ومن ضل فبإيثار الضال هوى على دلائل الإرشاد ، وأمر الله لا يكون إلا لحكم ومصالح بعضها أكبر من بعض .

والإخراج : مستعار للنقل من حال إلى حال . شبه الانتقال بالخروج فشبه النقل بالإخراج .

و الظلمات والنور استعارة للكفر والإيمان ، لأن الكفر يجعل صاحبه في حيرة فهو كالظلمة في ذلك ، والإيمان يرشد إلى الحق فهو كالنور في إيضاح السبيل . وقد يستخلص السامع من ذلك تمثيل حال المنغمس في الكفر بالمتحير في ظلمة ، وحال انتقاله إلى الإيمان بحال الخارج من ظلمة إلى مكان نير . وجمع الظلمات وإفراد النور تقدم في أول سورة الأنعام .

والباء في " بإذن ربهم للسببية " ، والإذن : الأمر بفعل يتوقف على رضى الآمر به ، وهو أمر الله إياه بإرساله إليهم لأنه هو الإذن الذي يتعلق بجميع الناس ، كقوله { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } . ولما كان الإرسال لمصلحتهم أضيف الإذن إلى وصف الرب المضاف إلى ضمير الناس ، أي : بإذن الذي يدبر مصالحهم .

وقوله { إلى صراط العزيز الحميد } بدل من النور بإعادة الجار للمبدل منه لزيادة بيان المبدل منه اهتماما به ، وتأكيدا للعامل كقوله تعالى { قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم } في سورة الأعراف . ومناسبة الصراط المستعار للدين الحق ، لاستعارة الإخراج والظلمات والنور ولما يتضمنه من التمثيل ، ظاهرة .

واختيار وصف { العزيز الحميد } من بين الصفات العلا لمزيد مناسبتها للمقام ، لأن العزيز الذي لا يغلب . وإنزال الكتاب برهان على أحقية ما أراده الله من الناس فهو به غالب للمخالفين مقيم الحجة عليهم .

والحميد : بمعنى المحمود ، لأن في إنزال هذا الكتاب نعمة عظيمة ترشد إلى حمده عليه ، وبذلك استوعب الوصفان الإشارة إلى الفريقين من كل منساق إلى الاهتداء من أول وهلة ومن مجادل صائر إلى الاهتداء بعد قيام الحجة ونفاذ الحيلة .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 14-14 , الصفحة 179 - 181
counter free hit invisible