<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { فأخذتهم الصيحة مشرقين } ( 73 ) { فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } ( 74 ) { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ( 75 ) { وإنها لبسبيل مقيم } ( 76 ) { إن في ذلك لآية للمؤمنين } ( 77 ) )

يقول : تعالى : ( { فأخذتهم الصيحة } ) وهي ما جاءهم من الصوت القاصف عند شروق الشمس ، وهو طلوعها ، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء ثم قلبها ، وجعل عاليها سافلها ، وإرسال حجارة السجيل عليهم . وقد تقدم الكلام على السجيل في [ سورة ] هود بما فيه كفاية .

وقوله : ( { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ) أي : إن آثار هذه النقم ظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته ، كما قال مجاهد في قوله : ( للمتوسمين ) قال : المتفرسين .

وعن ابن عباس ، والضحاك : للناظرين . وقال قتادة : للمعتبرين . وقال مالك عن بعض أهل المدينة : ( للمتوسمين ) للمتأملين .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا محمد بن كثير العبدي ، عن عمرو بن قيس ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله " . ثم قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ) )

رواه الترمذي ، وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي وقال الترمذي : لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وقال ابن جرير أيضا : حدثني أحمد بن محمد الطوسي ، حدثنا الحسن بن محمد ، حدثنا الفرات بن السائب ، حدثنا ميمون بن مهران ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( " اتقوا فراسة المؤمن ; فإن المؤمن ينظر بنور الله " )

وقال ابن جرير : حدثني أبو شرحبيل الحمصي ، حدثنا سليمان بن سلمة ، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي ، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي ، حدثنا وهب بن منبه ، عن طاوس بن كيسان ، عن ثوبان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( " احذروا فراسة المؤمن ; فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله " )

وقال أيضا : حدثنا عبد الأعلى بن واصل ، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي ، حدثنا عبد الواحد بن واصل ، حدثنا أبو بشر المزلق ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم " )

ورواه الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا سهل بن بحر ، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي ، حدثنا أبو بشر - يقال له : ابن المزلق قال : وكان ثقة - عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم " )

وقوله : ( { وإنها لبسبيل مقيم } ) أي : وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي ، والقذف بالحجارة ، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة لبطريق مهيع مسالكه مستمرة إلى اليوم ، كما قال تعالى : ( { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } ) [ الصافات : 137 ، 138 ]

وقال مجاهد ، والضحاك : ( { وإنها لبسبيل مقيم } ) قال : معلم . وقال قتادة : بطريق واضح . وقال قتادة أيضا : بصقع من الأرض واحد .

وقال السدي : بكتاب مبين ، يعني كقوله : ( { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } ) [ يس : 12 ] ولكن ليس المعنى على ما قال هاهنا ، والله أعلم .

وقوله : ( { إن في ذلك لآية للمؤمنين } ) أي : إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 4-4 , الصفحة 543 - 544
counter free hit invisible