<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون } { قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } { قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشروني } { قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين } { قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } )

قوله تعالى : ( { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون } { قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } { قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشروني } { قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين } { قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } )

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء ، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء ، ومحذرا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء ، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه السلام ، والضمير في قوله : ( { ونبئهم } ) راجع إلى قوله : ( { عبادي } ) والتقدير : ونبئ عبادي عن ضيف إبراهيم ، يقال : أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا أخبرتهم ، وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر ، وبإنجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب ، وأخبروه أيضا بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين ، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار .

المسألة الثانية : الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب القرى ، ثم سمي به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة .

فإن قيل : كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل ؟ قلنا : لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك . وقيل أيضا : إن من يدخل دار الإنسان ، ويلتجئ إليه يسمى ضيفا وإن لم يأكل ، وقوله تعالى : ( { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } ) أي : نسلم عليك سلاما أو سلمت سلاما ، فقال إبراهيم : ( { إنا منكم وجلون } ) أي : خائفون ، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل ، وقيل : لأنهم دخلوا عليه بغير إذن وبغير وقت . وقرأ الحسن : " لا توجل " بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه . وقرئ لا تأجل ولا تواجل من واجله بمعنى أوجله ، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود . وقوله : ( { قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } ) فيه أبحاث :

البحث الأول : قرأ حمزة : ( إنا نبشرك ) بفتح النون ، وتخفيف الباء ، والباقون : ( { نبشرك } ) بالتشديد .

البحث الثاني : قوله : ( { إنا نبشرك } ) استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل ، والمعنى : أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل .

البحث الثالث : قوله : ( { إنا نبشرك بغلام عليم } ) بشروه بأمرين :

أحدهما : أن الولد ذكر والآخر أنه يصير عليما ، واختلفوا في تفسير العليم ، فقيل : بشروه بنبوته بعده . وقيل : بشروه بأنه عليم بالدين . ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ، فمعنى : ( { على } ) ههنا للحال أي : حالة الكبر ، وقوله : ( { فبم تبشروني } ) فيه مسألتان :

المسألة الأولى : لفظ ما ههنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال : بأي أعجوبة تبشروني ؟

فإن قيل : في الآية إشكالان :

الأول : أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر ، وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر .

الثاني : كيف قال : ( { فبم تبشروني } ) مع أنهم قد بينوا ما بشروه به ، وما فائدة هذا الإستفهام . قال القاضي : أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شابا ، ثم يعطيه الولد ، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب .

فإن قيل : فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين .

قلنا : إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقوله : فلا تكن من القانطين لا يدل على أنه كان كذلك ، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال : ( { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } ) وفيه جواب آخر ، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه ، فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت ، وقيل أيضا : إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلبا للالتذاذ بسماع تلك البشارة ، وطلبا لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله : ( { ولكن ليطمئن قلبي } ) [البقرة : 260] وقيل أيضا : استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم ؟

المسألة الثانية : قرأ نافع : ( { تبشروني } ) بكسر النون خفيفة في كل القرآن ، وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها . والباقون بفتح النون خفيفة ، أما الكسر والتشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الإضافة ، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين وطلبا للتخفيف قال أبو حاتم : حذف نافع الياء مع النون . قال : وإسقاط الحرفين لا يجوز ، وأجيب عنه : بأنه أسقط حرفا واحدا وهي النون التي هي علامة للرفع . وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع : ( { ولا تك } ) وفي موضع : ( { ولا تكن } ) فأما فتح النون فعلى غير الإضافة والنون علامة الرفع ، وهي مفتوحة أبدا ، وقوله : ( { بشرناك بالحق } ) قال ابن عباس : يريد بما قضاه الله تعالى والمعنى : أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق عليه السلام . ويخرج من صلب إسحق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب إسحق أكثر الأنبياء فقوله : ( { بالحق } ) إشارة إلى هذا المعنى وقوله : ( { فلا تكن من القانطين } ) نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط ، وقد ذكرنا كثيرا أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهي عنه كما في قوله : ( { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ) [الأحزاب : 1] ثم حكى تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : ( { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } ) وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : هذا الكلام حق ؛ لأن القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور :

أحدها : أن يجهل كونه تعالى قادرا عليه .

وثانيها : أن يجهل كونه تعالى عالما باحتياج ذلك العبد إليه .

وثالثها : أن يجهل كونه تعالى منزها عن البخل والحاجة والجهل فكل هذه الأمور سبب للضلال ، فلهذا المعنى قال : ( { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } ) .

المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو والكسائي : ( يقنط ) بكسر النون ولا تقنطوا كذلك ، والباقون بفتح النون وهما لغتان : قنط يقنط ، نحو ضرب يضرب ، وقنط يقنط نحو علم يعلم ، وحكى أبو عبيدة : قنط يقنط بضم النون ، قال أبو علي الفارسي : قنط يقنط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله : ( { من بعد ما قنطوا } ) [الشورى : 28] وحكاية أبي عبيدة تدل أيضا على أن قنط بفتح النون أكثر ؛ لأن المضارع من فعل يجيء على يفعل ويفعل مثل فسق يفسق ويفسق ولا يجيء مضارع فعل على يفعل . والله أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 19-19 , الصفحة 156 - 157
counter free hit invisible