<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { قال فما خطبكم أيها المرسلون } { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } { إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين } { إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين } )

قوله تعالى : ( { قال فما خطبكم أيها المرسلون } { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } { إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين } { إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين } )

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : ( { فما خطبكم } ) سؤال عما لأجله أرسلهم الله تعالى ، والخطب والشأن والأمر سواء : إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال .

فإن قيل : إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك : ( { فما خطبكم أيها المرسلون } ) . قلنا : فيه وجوه :

الأول : قال الأصم : معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى .

الثاني : قال القاضي : إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من الملائكة كافيا ، فلما رأى جمعا من الملائكة علم أن لهم غرضا آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال : ( { فما خطبكم أيها المرسلون } ) .

الثالث : يمكن أن يقال إنهم قالوا : إنا نبشرك بغلام عليم . في معرض إزالة الخوف والوجل ، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف قالوا له : لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم . ولو كان تمام المقصود من المجيء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة ، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال : ( { فما خطبكم أيها المرسلون } ) .

ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا : ( { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } ) وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضا فقولهم : ( { إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين } ) يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم .

أما قوله تعالى : ( { إلا آل لوط } ) فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه .

فإن قيل : قوله : ( { إلا آل لوط } ) هل هو استثناء منقطع أو متصل ؟

قلنا : قال صاحب "الكشاف" : إن كان هذا الاستثناء استثناء من ( قوم ) كان منقطعا ؛ لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين ، فاختلف الجنسان ، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعا . وإن كان استثناء من الضمير في ( مجرمين ) كان متصلا كأنه قيل : إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال : ( { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ) [الذاريات : 36] ثم قال صاحب "الكشاف" : ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين ، وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال ، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلا ، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء ، وأما قوله : ( { إنا لمنجوهم أجمعين } ) فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي " منجوهم " خفيفة ، والباقون مشددة وهما لغتان .

أما قوله تعالى : ( { إلا امرأته } ) قال صاحب "الكشاف" : هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله : ( { لمنجوهم } ) وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء ، لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه ، كما لو قيل : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته ، وكما لو قال المطلق لامرأته : أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين إلا واحدة ، وكما إذا قال : المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما ، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان ؛ لأن قوله : ( { إلا آل لوط } ) متعلق بقوله : ( { أرسلنا } ) أو بقوله : ( { مجرمين } ) وقوله : ( { إلا امرأته } ) قد تعلق بقوله : ( { لمنجوهم } ) فكيف يكون هذا استثناء من استثناء .

وأما قوله : ( { قدرنا إنها لمن الغابرين } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن معنى التقدير في اللغة : جعل الشيء على مقدار غيره . يقال : قدر هذا الشيء بهذا أي : اجعله على مقداره ، وقدر الله تعالى الأقوات أي : جعلها على مقدار الكفاية ، ثم يفسر التقدير بالقضاء ، فقال : قضى الله عليه كذا ، وقدره عليه أي : جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر ، وقيل في معنى : ( { قدرنا } ) كتبنا . قال الزجاج : دبرنا . وقيل : قضينا ، والكل متقارب .

المسألة الثانية : قرأ أبو بكر عن عاصم " قدرنا " بتخفيف الدال ههنا وفي النمل . وقرأ الباقون فيهما بالتشديد . قال الواحدي يقال : قدرت الشيء وقدرته ، ومنه قراءة ابن كثير : ( نحن قدرنا بينكم الموت ) [الواقعة : 60] خفيفا ، وقراءة الكسائي : (والذي قدر فهدى ) [ الأعلى : 3] ثم قال : والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالا ؛ لقوله تعالى : ( { وقدر فيها أقواتها } ) [فصلت : 10] وقوله : ( { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } ) [الفرقان : 2] .

المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله تعالى ، ولم لم يقولوا : قدر الله تعالى ؟

والجواب : إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما يقول خاصة الملك : دبرنا كذا ، وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم ، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك ، فكذا ههنا والله أعلم .

المسألة الرابعة : قوله : ( { إنها لمن الغابرين } ) في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف ، وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون . ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة والله أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 19-19 , الصفحة 158 - 159
counter free hit invisible