<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } { لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } { ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ) .

قوله تعالى : ( { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } { لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } { ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ) .

اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته .

فالشبهة الأولى : أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات :

الأول : أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ، والدليل عليه قوله : ( { ويقولون إنه لمجنون } { وما هو إلا ذكر للعالمين } ) [ القلم : 52 ] وأيضا قوله : ( { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } ) [ الأعراف : 184 ] .

والثاني : أنهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند الله تعالى ، فالرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما قال له : هذا جنون وأنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله : ( { إنك لمجنون } ) في هذه الآية يحتمل الوجهين .

أما قوله : ( { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ) ففيه وجهان :

الأول : أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون : ( { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } ) [ الشعراء : 27 ] وكما قال قوم شعيب : ( { إنك لأنت الحليم الرشيد } ) [ هود : 87 ] وكما قال تعالى : ( { فبشرهم بعذاب أليم } ) [ آل عمران : 21 ] لأن البشارة بالعذاب ممتنعة .

والثاني : ( { يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ) في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه . ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم : ( { لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } ) وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : المراد لو كنت صادقا في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة ؛ لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر ، وله طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعا ، وطريق آخر قد يفضي وقد لا يفضي ، ويكون في محل الشكوك والشبهات ، فإن كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني ، وإنزال الملائكة الذين يصدقونك ، ويقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا المقصود قطعا ، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك والشبهات ، فلو كنت صادقا في ادعاء النبوة لوجب في حكمة الله تعالى إنزال الملائكة الذين يصرحون بتصديقك ، وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شيء ، فهذا تقرير هذه الشبهة ، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام : ( { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } ) [ الأنعام : 8 ] وفيه احتمال آخر : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم يؤمنوا به ، فالقوم طالبوه بنزول العذاب وقالوا له : ( { لو ما تأتينا بالملائكة } ) الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب الموعود ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } ) [ العنكبوت : 53 ] .

ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : ( { ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } ) فنقول : إن كان المراد من قولهم : ( { لو ما تأتينا بالملائكة } ) هو الوجه الأول كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم ، وعلى هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثا باطلا ، ولا يكون حقا ، فلهذا السبب ما أنزلهم الله تعالى ، وقال المفسرون : المراد بالحق ههنا الموت ، والمعنى : أنهم لا ينزلون إلا بالموت ، وإلا بعذاب الاستئصال ، ولم يبق بعد نزولهم إنظار ولا إمهال ، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة ، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة ، وأما إن كان المراد من قوله تعالى : ( { لو ما تأتينا بالملائكة } ) استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام يتوعدهم به ، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال ، وحكمنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك ، وأن نمهلهم لما علمنا من إيمان بعضهم ، ومن إيمان أولاد الباقين .

المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج : لولا ولوما لغتان : معناهما : هلا ، ويستعملان في الخبر والاستفهام ، فالخبر مثل قولك : لولا أنت لفعلت كذا ، ومنه قوله تعالى : ( { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ) [ سبأ : 31 ] ، والاستفهام كقولهم : ( { لولا أنزل عليه ملك } ) [ الأنعام : 8 ] وكهذه الآية . وقال الفراء : " لوما " الميم فيه بدل عن اللام في لولا ، ومثله استولى على الشيء واستومى عليه ، وحكى الأصمعي : خاللته وخالمته إذا صادقته ، وهو خلي وخلمي أي صديقي .

المسألة الثالثة : قوله : ( { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } ) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : ( { ما ننزل } ) بالنون وبكسر الزاي والتشديد ، والملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها . والمنزل هو الله تعالى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : " ما تنزل " عن فعل ما لم يسم فاعله ، والملائكة بالرفع . والباقون : " ما تنزل الملائكة " على إسناد فعل النزول إلى الملائكة . والله أعلم . المسألة الرابعة : قوله : ( { وما كانوا إذا منظرين } ) يعني : لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة . قال صاحب " النظم " : لفظ إذن مركب من كلمتين : من " إذ " وهو اسم بمنزلة حين ، ألا ترى أنك تقول : أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني . ثم ضم إليها " أن " ، فصار " إذ أن " . ثم استثقلوا الهمزة ، فحذفوها فصار إذن ، ومجيء لفظة إذن دليل على إضمار فعل بعدها ، والتقدير : وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا ، وهذا تأويل حسن .

ثم قال تعالى : ( { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أن القوم إنما قالوا : ( { يا أيها الذي نزل عليه الذكر } ) [ الحجر : 6 ] لأجل أنهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( " إن الله تعالى نزل الذكر علي " ) ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية فقال : ( { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ) .

فأما قوله : ( { إنا نحن نزلنا الذكر } ) فهذه الصيغة وإن كانت للجمع إلا أن هذا من كلام الملوك عند إظهار التعظيم ؛ فإن الواحد منهم إذا فعل فعلا أو قال قولا قال : إنا فعلنا كذا وقلنا كذا ، فكذا ههنا .

المسألة الثانية : الضمير في قوله : ( { له لحافظون } ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان :

القول الأول : أنه عائد إلى الذكر يعني : وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان ، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن : ( { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ) [ فصلت : 42 ] وقال : ( { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ) [ النساء : 82 ] .

فإن قيل : فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله فلا خوف عليه ؟

والجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى لما أن حفظه قيضهم لذلك ، قال أصحابنا : وفي هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن ، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا من الزيادة والنقصان ، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا عن التغيير ، ولما كان محفوظا عن الزيادة ، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أيضا أن يظن بهم النقصان ، وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة .

والقول الثاني : أن الكناية في قوله : ( { له } ) راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء ، وقوى ابن الأنباري هذا القول فقال : لما ذكر الله الإنزال والمنزل دل ذلك على المنزل عليه فحسنت الكناية عنه ، لكونه أمرا معلوما كما في قوله تعالى : ( { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ) [ القدر : 1 ] فإن هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره وإنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا ههنا ، إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل . والله أعلم .

المسألة الثالثة : إذا قلنا : الكناية عائدة إلى القرآن فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن ؟ قال بعضهم : حفظه بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان عنه ؛ لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن فصار كونه معجزا كإحاطة السور بالمدينة لأنه يحصنها ويحفظها ، وقال آخرون : إنه تعالى صانه وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته ، وقال آخرون : أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف ، وقال آخرون : المراد بالحفظ هو أن أحدا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا : هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان : أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا ، فهذا هو المراد من قوله : ( { وإنا له لحافظون } ) .

واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل ، وبقاء هذا الكتاب مصونا عن جميع جهات التحريف ، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات ، وأيضا أخبر الله تعالى عن بقائه محفوظا عن التغيير والتحريف ، وانقضى الآن قريبا من ستمائة سنة فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فكان ذلك أيضا معجزا قاهرا .

المسألة الرابعة : احتج القاضي بقوله : ( { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ) على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان ، قال : لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا ، وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ، فالإمامية الذين يقولون إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان ، لعلهم يقولون إن هذه الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن ، فثبت أن إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه وأنه باطل . والله أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 19-19 , الصفحة 126 - 128
counter free hit invisible