<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وجاء أهل المدينة يستبشرون } { قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } { واتقوا الله ولا تخزون } { قالوا أولم ننهك عن العالمين } { قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين } { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } { فأخذتهم الصيحة مشرقين } { فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } { وإنها لبسبيل مقيم } { إن في ذلك لآية للمؤمنين } ) .

قوله تعالى : ( { وجاء أهل المدينة يستبشرون } { قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } { واتقوا الله ولا تخزون } { قالوا أولم ننهك عن العالمين } { قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين } { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } { فأخذتهم الصيحة مشرقين } { فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } { وإنها لبسبيل مقيم } { إن في ذلك لآية للمؤمنين } ) .

اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط ، وليس في الآية دليل على المكان الذي جاءوه إلا أن القصة تدل على أنهم جاءوا دار لوط . قيل : إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط ، وقيل : امرأة لوط أخبرتهم بذلك ، وبالجملة فالقوم قالوا : نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ، ولا أحسن شكلا منهم ، فذهبوا إلى دار لوط طلبا منهم لأولئك المرد ، والاستبشار إظهار السرور ، فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه كلامين :

الكلام الأول : قال : ( { إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } ) يقال : فضحه يفضحه فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار ، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه ، فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي ، ثم أكد ذلك بقوله : ( { واتقوا الله ولا تخزون } ) فأجابوه بقولهم : ( { أولم ننهك عن العالمين } ) والمعنى : ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة .

والكلام الثاني : مما قاله لوط قوله : ( { هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين } ) قيل : المراد بناته من صلبه ، وقيل : المراد نساء قومه ؛ لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى : ( { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } ) [الأحزاب : 6] وفي قراءة أبي وهو أب لهم ، والكلام في هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام .

أما قوله : ( { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } ) فيه مسائل :

المسألة الأولى : العمر والعمر واحد وسمي الرجل عمرا تفاؤلا أن يبقى ، ومنه قول ابن أحمر : ذهب الشباب وأخلق العمر

وعمر الرجل يعمر عمرا وعمرا ، فإذا أقسموا به قالوا : لعمرك وعمرك فتحوا العين لا غير . قال الزجاج : لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك فالتزموا الأخف .

المسألة الثانية : في قوله : ( { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } ) قولان :

الأول : أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام : ( { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } ) أي : في غوايتهم يعمهون ، أي : يتحيرون فكيف يقبلون قولك ، ويلتفتون إلى نصيحتك .

والثاني : أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد ، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى قال النحويون : ارتفع قوله : ( { لعمرك } ) بالابتداء والخبر محذوف ، والمعنى : لعمرك قسمي وحذف الخبر ، لأن في الكلام دليلا عليه وباب القسم يحذف منه الفعل نحو : بالله لأفعلن ، والمعنى : أحلف بالله فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف .

ثم قال تعالى : ( { فأخذتهم الصيحة } ) أي : صيحة جبريل عليه السلام ، قال أهل المعاني : ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام ، فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به ، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة .

وقوله : ( { مشرقين } ) يقال : شرق الشارق يشرق شروقا لكل ما طلع من جانب الشرق ، ومنه قولهم : ما ذر شارق أي : طلع طالع فقوله : ( { مشرقين } ) أي : داخلين في الشروق ، يقال : أشرق الرجل إذا دخل في الشروق ، وهو بزوغ الشمس .

واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب :

أحدها : الصيحة الهائلة المنكرة .

وثانيها : أنه جعل عاليها سافلها .

وثالثها : أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل ، وكل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود .

ثم قال تعالى : ( { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ) يقال : توسمت في فلان خيرا أي : رأيت فيه أثرا منه وتفرسته فيه ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل : المتفرسين ، وقيل : الناظرين ، وقيل : المتفكرين ، وقيل : المعتبرين ، وقيل : المتبصرين . قال الزجاج : حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته ، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول : توسمت في فلان كذا أي : عرفت وسم ذلك وسمته فيه .

ثم قال : ( { وإنها لبسبيل مقيم } ) الضمير في قوله : ( { وإنها } ) عائد إلى مدينة قوم لوط ، وقد سبق ذكرها في قوله : ( { وجاء أهل المدينة } ) [الحجر : 67] وقوله : ( { لبسبيل مقيم } ) أي : هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف ، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها .

ثم قال : ( { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ) أي : كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال ، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه ، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية والله أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 19-19 , الصفحة 161 - 162
counter free hit invisible