<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( 38 ) { ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } ( 39 ) { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( 40 ) )

يقول تعالى مخبرا عن المشركين : أنهم حلفوا فأقسموا ( { بالله جهد أيمانهم } ) أي : اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه ( { لا يبعث الله من يموت } ) أي : استبعدوا ذلك ، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك ، وحلفوا على نقيضه . فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم : ( بلى ) أي : بلى سيكون ذلك ، ( { وعدا عليه حقا } ) أي : لا بد منه ، ( { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ) أي : فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر .

ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد ، فقال : ( ليبين لهم ) أي : للناس ( { الذي يختلفون فيه } ) أي : من كل شيء ، و ( { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ) [ النجم : 31 ] ( { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } ) أي : في أيمانهم وأقسامهم : لا يبعث الله من يموت ; ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا ، وتقول لهم الزبانية : ( { هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون } ) [ الطور : 14 - 16 ] .

ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء ، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : " كن " فيكون ، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة ، فيكون كما يشاء ، كما قال ( { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } ) [ القمر : 50 ] وقال : ( { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ) [ لقمان : 28 ] وقال في هذه الآية الكريمة : ( { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ) [ النحل : 40 ] أي : أن يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن ، كما قال الشاعر : إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له : " كن " قولة فيكون

أي : أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به ، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف ؛ لأنه [ هو ] الواحد القهار العظيم ، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء ، فلا إله إلا هو ولا رب سواه .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء : أنه سمع أبا هريرة يقول : ( قال الله تعالى : سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني ، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني ، فأما تكذيبه إياي فقال : ( { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } ) قال : وقلت : ( { بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ) وأما سبه إياي فقال : ( { إن الله ثالث ثلاثة } ) [ المائدة : 73 ] وقلت : ( { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } ) ) [ سورة الإخلاص ] .

هكذا ذكره موقوفا ، وهو في الصحيحين مرفوعا ، بلفظ آخر .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 4-4 , الصفحة 572
counter free hit invisible