<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه }

لما كان معظم أغراض هذه السورة زجر المشركين عن الإشراك وتوابعه ، وإنذارهم بسوء عاقبة ذلك ، وكان قد تكرر وعيدهم من قبل في آيات كثيرة بيوم يكون الفارق بين الحق والباطل فتزول فيه شوكتهم وتذهب شدتهم ، وكانوا قد استبطئوا ذلك اليوم حتى اطمأنوا أنه غير واقع ; فصاروا يهزءون بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين فيستعجلون حلول ذلك اليوم .

صدرت السورة بالوعيد المصوغ في صورة الخبر بأن قد حل ذلك المتوعد به ، فجيء بالماضي المراد به المستقبل المحقق الوقوع بقرينة تفريع ( { فلا تستعجلوه } ) ; لأن النهي عن استعجال حلول ذلك اليوم يقتضي أنه لما يحل بعد .

والأمر : مصدر بمعنى المفعول ، كالوعد بمعنى الموعود ، أي ما أمر الله به ، والمراد من الأمر به تقديره ، وإرادة حصوله في الأجل المسمى الذي تقتضيه الحكمة . وفي التعبير عنه بأمر الله إبهام يفيد تهويله وعظمته ;لإضافته لمن لا يعظم عليه شيء ، وقد عبر عنه تارات بوعد الله ومرات بأجل الله ونحو ذلك .

والخطاب للمشركين ابتداء ; لأن استعجال العذاب من خصالهم ، قال تعالى { ويستعجلونك بالعذاب } .

ويجوز أن يكون شاملا للمؤمنين ; لأن عذاب الله - وإن كان الكافرون يستعجلون به تهكما لظنهم أنه غير آت - فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ، ويحبون تعجيله للكافرين .

فجملة { فلا تستعجلوه } تفريع على { أتى أمر الله } وهي من المقصود بالإنذار .

والاستعجال : طلب تعجيل حصول شيء ، فمفعوله هو الذي يقع التعجيل به ، ويتعدى الفعل إلى أكثر من واحد بالباء فقالوا : استعجل بكذا . وقد مضى في سورة الأنعام قوله تعالى { ما عندي ما تستعجلون به } .

فضمير تستعجلوه إما عائد إلى الله تعالى ، أي فلا تستعجلوا الله ، وحذف المتعلق بـ ( تستعجلوه ) ; لدلالة قوله { أتى أمر الله } عليه ، والتقدير : فلا تستعجلوا الله بأمره ، على نحو قوله تعالى { سأريكم آياتي فلا تستعجلون } .

وقيل الضمير عائد إلى أمر الله ، وعليه تكون تعدية فعل الاستعجال إليه على نزع الخافض .

والمراد من النهي هنا دقيق ، لم يذكروه في موارد صيغ النهي ، ويجدر أن يكون للتسوية كما ترد صيغة الأمر للتسوية ، أي لا جدوى في استعجاله ; لأنه لا يعجل قبل وقته المؤجل له .



{ سبحانه وتعالى عما يشركون }

مستأنفة استئنافا ابتدائيا ; لأنها المقصود من الوعيد إذ الوعيد والزجر إنما كانا لأجل إبطال الإشراك ، فكانت جملة { أتى أمر الله } كالمقدمة ، وجملة { سبحانه وتعالى عما يشركون } كالمقصد .

و ( ما ) في قوله { عما يشركون } مصدرية ، أي عن إشراكهم غيره معه .

وقرأ الجمهور يشركون بالتحتية على طريقة الالتفات ، فعدل عن الخطاب ليختص التبرؤ من شأنهم أن ينزلوا عن شرف الخطاب إلى الغيبة .

وقرأه حمزة والكسائي بالمثناة الفوقية تبعا لقوله { فلا تستعجلوه } .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 15-15 , الصفحة 97 - 98
counter free hit invisible