<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة النحل )

مكية ، إلا الآيات الثلاث الأخيرة فمدنية

وآياتها : 128 ، نزلت بعد سورة الكهف

وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية ، وقال آخرون : من أولها إلى قوله : ( { كن فيكون } ) مدني وما سواه فمكي ، وعن قتادة بالعكس .

واعلم أن هذه السورة تسمى سورة النعم وهي مائة وعشرون وثمان آيات مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون } { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون } { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } ) .

فيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة :

فالسؤال الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر ، وتارة بعذاب يوم القيامة ، وهو الذي يحصل عند قيام الساعة ، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه ، وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب ، وقالوا له : ائتنا به . وروي أنه لما نزل قوله تعالى : ( { اقتربت الساعة وانشق القمر } ) [القمر : 1] قال الكفار فيما بينهم : إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن ، فلما تأخرت قالوا : ما نرى شيئا مما تخوفنا به ، فنزل قوله : ( { اقترب للناس حسابهم } ) [الأنبياء : 1] فأشفقوا وانتظروا يومها ، فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزل قوله : ( { أتى أمر الله } ) فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم ، فنزل قوله : ( { فلا } ) ( { تستعجلوه } ) والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب .

فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : ( { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ) وفي تقرير هذا الجواب وجهان :

الوجه الأول : أنه وإن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع والشيء إذا كان بهذه الحالة والصفة ، فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع ، يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها : قد جاءك الغوث فلا تجزع .

والوجه الثاني : وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحكمه به قد أتى وحصل ووقع ، فأما المحكوم به فإنما لم يقع ؛ لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين ، فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل : أمر الله وحكمه بنزول العذاب قد حصل ووجد من الأزل إلى الأبد ، فصح قولنا أتى أمر الله ، إلا أن المحكوم به والمأمور به إنما لم يحصل ؛ لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه ، ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت .

السؤال الثاني : قالت الكفار : هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة ، إلا أنا نعبد هذه الأصنام ؛ فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده ، فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام .

فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : ( { سبحانه وتعالى عما يشركون } ) فنزه نفسه عن شركة الشركاء والأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و ( ما ) في قوله : ( { عما يشركون } ) يجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير : سبحانه وتعالى عن إشراكهم ، ويجوز أن تكون بمعنى الذي ، أي : سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله ؛ لأنها جمادات خسيسة ، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلا عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض والسماوات .

السؤال الثالث : هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء وعلى آخرين بالضراء ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ، وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته ؟

فأجاب الله تعالى عنه بقوله : ( { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } ) وتقرير هذا الجواب أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده ، ويأمر ذلك العبد بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد والعبادة ، وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة ، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة ، فبهذا الطريق صار مخصوصا بهذه المعارف من دون سائر الخلق ، وظهر بهذا الترتيب الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه والله أعلم . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي : ( ينزل ) بالياء وكسر الزاي وتشديدها ، والملائكة بالنصب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ينزل ) بضم الياء وكسر الزاي وتخفيفها ، والأول من التفعيل ، والثاني من الإفعال ، وهما لغتان :

المسألة الثانية : روي عن عطاء عن ابن عباس قال : يريد بالملائكة جبريل وحده . قال الواحدي : وتسمية الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحد رئيسا مقدما جائز كقوله تعالى : ( { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } ) . [نوح : 1] و ( { إنا أنزلناه } ) [القدر : 1] . و ( { إنا نحن نزلنا الذكر } ) [الحجر : 9] وفي حق الناس كقوله : ( { الذين قال لهم الناس } ) [آل عمران : 173] وفيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ذلك وقوله : ( { بالروح من أمره } ) فيه قولان :

القول الأول : أن المراد من الروح الوحي وهو كلام الله ونظيره قوله تعالى : ( { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ) [الشورى : 52] وقوله : ( { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده } ) [غافر : 15] قال أهل التحقيق : الجسد موات كثيف مظلم ، فإذا اتصل به الروح صار حيا لطيفا نورانيا . فظهرت آثار النور في الحواس الخمس ، ثم الروح أيضا ظلمانية جاهلة ، فإذا اتصل العقل بها صارت مشرقة نورانية ، كما قال تعالى : ( { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } ) [النحل : 78] ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد ، وعالم الدنيا والآخرة ، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ، ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن .

إذا عرفت هذا فنقول : القرآن والوحي به تكمل المعارف الإلهية ، والمكاشفات الربانية وهذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل ، والعقل به يكمل جوهر الروح ، والروح به يكمل حال الجسد ، وعند هذا يظهر أن الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن ؛ لأن به يحصل الخلاص من رقدة الجهالة ، ونوم الغفلة ، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة ، ومما يقوي ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله : ( { نزل به الروح الأمين } { على قلبك } ) [الشعراء : 193] وعلى عيسى عليه السلام في قوله : ( { روح الله } ) [يوسف : 87] وإنما حسن هذا الإطلاق ؛ لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف ، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى ؛ فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى .

والقول الثاني في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة : إن الروح ههنا جبريل عليه السلام ، والباء في قوله : ( { بالروح } ) بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه ، أي : مع ثيابه وركب الأمير بسلاحه أي : مع سلاحه ، فيكون المعنى : ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل ، والأول أقرب ، وتقرير هذا الوجه : أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جبريل وحده ، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجا من الملائكة ، ألا ترى أن في يوم بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة ، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال ، وتارة ملك البحار ، وتارة رضوان ، وتارة غيرهم ، وقوله : ( { من أمره } ) يعني : أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : ( { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ) [مريم : 64] وقوله : ( { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ) [الأنبياء : 27] وقوله : ( { وهم من خشيته مشفقون } ) [الأنبياء : 28] وقوله : ( { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ) [النحل : 50] وقوله : ( { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } ) [التحريم : 6] فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه ، وقوله : ( { على من يشاء من عباده } ) [ غافر : 15] يريد الأنبياء الذين خصهم الله تعالى برسالته ، وقوله : ( { أن أنذروا } ) قال الزجاج : ( أن ) بدل من الروح والمعنى : ينزل الملائكة بأن أنذروا ، أي : أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا ، والإنذار هو الإعلام مع التخويف .



المسألة الثانية : في الآية فوائد :

الفائدة الأولى : أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة ، ومما يقوي ذلك أنه تعالى قال في آخر سورة البقرة : ( { والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } ) [البقرة : 285] فبدأ بذكر الله سبحانه ، ثم أتبعه بذكر الملائكة ؛ لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة ، وذلك الوحي هو الكتب ، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب الصحيح هو الابتداء بذكر الله تعالى ، ثم بذكر الملائكة ، ثم بذكر الكتب وفي الدرجة الرابعة بذكر الرسل .

إذا عرفت هذا فنقول : إذا أوحى الله تعالى إلى الملك فعلم ذلك الملك بأن ذلك الوحي وحي الله علم ضروري أو استدلالي . وبتقدير أن يكون استدلاليا فكيف الطريق إليه ؟ وأيضا الملك إذا بلغ ذلك الوحي إلى الرسول فعلم الرسول بكونه ملكا صادقا لا شيطانا رجيما ضروري أو استدلالي ، فإن كان استدلاليا فكيف الطريق إليه ؟ فهذه مقامات ضيقة ، وتمام العلم بها لا يحصل إلا بالبحث عن حقيقة الملك وكيفية وحي الله إليه ، وكيفية تبليغ الملك ذلك الوحي إلى الرسول . فأما إذا أجرينا هذه الأمور على الكلمات المألوفة صعب المرام وزال النظام ، وذلك لأن آيات القرآن ناطقة بأن هذا الوحي والتنزيل إنما حصل من الملائكة أو نقول : هب أن آيات القرآن لم تدل على ذلك إلا أن احتمال كون الأمر كذلك قائم في بديهة العقل .

وإذا عرفت هذا فنقول : لا نعلم كون جبريل عليه السلام صادقا معصوما عن الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية ، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله تعالى ، لا من قبل شيطان خبيث ، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبريل صادق محق مبرأ عن التلبيس وعن أفعال الشيطان ، وحينئذ يلزم الدور ، فهذا مقام صعب . أما إذا عرفنا حقيقة النبوة وعرفنا حقيقة الوحي زالت هذه الشبهة بالكلية ، والله أعلم .



المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن الروح المشار إليها بقوله : ( { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ) ليس إلا لمجرد قوله : ( { لا إله إلا أنا فاتقون } ) وهذا كلام حق ؛ لأن مراتب السعادات البشرية أربعة :

أولها : النفسانية .

وثانيها : البدنية .

وفي المرتبة الثالثة : الصفات البدنية التي لا تكون من اللوازم .

وفي المرتبة الرابعة : الأمور المنفصلة عن البدن .

أما المرتبة الأولى : وهي الكمالات النفسانية ، فاعلم أن النفس لها قوتان :

إحداهما : استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب ، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة النظرية ، وسعادة هذه القوة في حصول المعارف . وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو ، وإليه الإشارة بقوله : ( { أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } ) .

والقوة الثانية للنفس : استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم ، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية ، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة ، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى ، وإليه الإشارة بقوله : ( { فاتقون } ) ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية ، وهي قوله : ( { لا إله إلا أنا } ) على كمالات القوة العملية وهي قوله : ( { فاتقون } ) .

وأما المرتبة الثانية : وهي السعادات البدنية فهي أيضا قسمان : الصحة الجسدانية ، وكمالات القوى الحيوانية ، أعني القوى السبع عشرة البدنية .

وأما المرتبة الثالثة : وهي السعادات المتعلقة بالصفات العرضية البدنية ، فهي أيضا قسمان : سعادة الأصول والفروع ، أعني كمال حال الآباء . وكمال حال الأولاد .

وأما المرتبة الرابعة : وهي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب الأمور المنفصلة وهي المال والجاه ، فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية ، وهي محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية ، فلهذا السبب ذكر الله ههنا أعلى حال هاتين القوتين فقال : ( { أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } ) .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 19-19 , الصفحة 173 - 177
counter free hit invisible