<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم . { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } { وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني ‎وكيلا } { ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا } .

قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } هو مصدر سبح ، يقال سبح يسبح تسبيحا وسبحانا ، مثل كفر اليمين تكفيرا وكفرانا ، ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص .

وقال سيبويه : العامل فيه فعل لا من لفظه ، والتقدير أنزه الله تنزيها ، فوقع سبحانه مكان تنزيها ، فهو على هذا مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء ، وقيل : هو علم للتسبيح كعثمان للرجل ، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحان ، ثم نزل منزلة الفعل وسد مسده وقد قدمنا في قوله : { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } طرفا من الكلام المتعلق بسبحان .

والإسراء قيل : هو سير الليل ، يقال سرى وأسرى : كسقى وأسقى لغتان ، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله : . حي النضير وربة الخدر أسرت إلي ولم تكن تسري .

وقيل : هو سير أول الليل خاصة ، وإذا كان الإسراء لا يكون إلا في الليل فلا بد للتصريح بذكر الليل بعده من فائدة ، فقيل أراد بقوله ( ليلا ) تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة .

ووجه دلالة ( ليلا ) على تقليل المدة ما فيه من التنكير الدال على البعضية ، بخلاف ما إذا قلت سريت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعا .

وقد استدل صاحب الكشاف على إفادة ( ليلا ) للبعضية بقراءة عبد الله ، وحذيفة ( من الليل ) .

وقال الزجاج : معنى أسرى بعبده ليلا سير عبده ، يعني محمدا ليلا وعلى هذا فيكون معنى أسرى معنى سير فيكون للتقييد بالليل فائدة ، وقال ( بعبده ) ولم يقل بنبيه أو رسوله أو بمحمد تشريفا له - صلى الله عليه وسلم - قال أهل العلم : لو كان غير هذا الاسم أشرف منه لسماه الله سبحانه به في هذا المقام العظيم والحالة العلية : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي ادعاء بأسماء نبزا في قبائلها كأن أسماء أضحت بعض أسمائي .

{ من المسجد الحرام } قال الحسن ، وقتادة : يعني المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن .

وقال عامة المفسرين : أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من دار أم هانئ ، فحملوا المسجد الحرام على مكة أو الحرام لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام ، أو لأن الحرم كله مسجد .

ثم ذكر سبحانه الغاية التي أسرى برسوله - صلى الله عليه وسلم - إليها فقال : { إلى المسجد الأقصى } وهو بيت المقدس ، وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد ، ثم وصف المسجد الأقصى بقوله : { الذي باركنا حوله } بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين ، فقد بارك الله سبحانه حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة ، وفي ( باركنا ) بعد قوله ( أسرى ) التفات من الغيبة إلى التكلم .

ثم ذكر العلة التي أسرى به لأجلها فقال : { لنريه من آياتنا } أي ما أراه الله سبحانه في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة في جزء من الليل إنه سبحانه هو السميع بكل مسموع ، ومن جملة ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البصير بكل مبصر ، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله .

وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده - صلى الله عليه وسلم - مع روحه أو بروحه فقط ؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول .

وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة ومعاوية ، والحسن ، وابن إسحاق وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان .

وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا : كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح ، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله إلى المسجد الأقصى ، فجعله غاية للإسراء بذاته - صلى الله عليه وسلم - فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره ، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس ، ثم إلى السماوات ، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة ، ولا مقتضى لذلك إلا مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شيء ، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط ، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - عند إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد ممن لم يشرح بالإيمان صدرا ، فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد ، بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد ، وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء ، فالتصريح الواقع هنا بقوله : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسري به لا تقصر عن الاستدلال بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين ، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا ، وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان .

وقد اختلف أيضا في تاريخ الإسراء ، فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة ، وروي أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام .

ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين ، وقيل : بثلاث ، وقيل : بأربع ، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء .

وقد استدل بهذا ابن عبد البر على ذلك ، وقد اختلفت الرواية عن الزهري .

وممن قال بأن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه ، وكذلك الحربي فإنه قال : أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة .

وقال ابن القاسم في تاريخه : كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا .

قال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا من أهل السير قال بمثل هذا .

وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثه بسبعة أعوام ، وروي عنه أنه قال : كان قبل مبعثه بخمس سنين .

وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة .

{ وآتينا موسى الكتاب } أي التوراة ، قيل والمعنى : كرمنا محمدا بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب وجعلناه أي ذلك الكتاب ، وقيل : موسى { هدى لبني إسرائيل } يهتدون به ألا تتخذوا قرأ أبو عمرو بالياء التحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية ، أي : لئلا يتخذوا .

والمعنى : آتيناه الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا { من دوني ‎وكيلا } قال الفراء ، أي : كفيلا بأمورهم ، وروي عنه أنه قال كافيا ، وقيل : معناه ، أي : متوكلون عليه في أمورهم ، وقيل : شريكا ، ومعنى الوكيل في اللغة من توكل إليه الأمور .

{ ذرية من حملنا مع نوح } نصب على الاختصاص أو النداء ذكرهم سبحانه إنعامه عليهم في ضمن إنجاء آبائهم من الغرق ، ويجوز أن يكون المفعول الأول لقوله أن لا تتخذوا أي لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا كقوله : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من فاعل ( تتخذوا ) .

وقرأ مجاهد بفتح الذال . وقرأ زيد بن ثابت بكسرها ، والمراد بالذرية هنا جميع من في الأرض لأنهم من ذرية من كان في السفينة ، وقيل : موسى وقومه من بني إسرائيل وهذا هو المناسب لقراءة النصب على النداء . والنصب على الاختصاص ، والرفع على البدل وعلى الخبر فإنها كلها راجعة إلى بني إسرائيل المذكورين وأما على جعل النصب على أن ( ذرية ) هي المفعول الأول لقوله ( لا تتخذوا ) ، فالأولى تفسير الذرية بجميع من في الأرض من بني آدم { إنه كان عبدا شكورا } أي نوحا ، وصفه الله بكثرة الشكر وجعله كالعلة لما قبله إيذانا بكون الشكر من أعظم أسباب الخير ، ومن أفضل الطاعات حثا لذريته على شكر الله سبحانه .

وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . قال : أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال : أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة .

وأخرج البيهقي عن عروة مثله .

وأخرج البيهقي أيضا عن السدي قال : أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مهاجره بستة عشر شهرا .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { الذي باركنا حوله } قال : أنبتنا حوله الشجر .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل } قال : جعله الله هدى يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله رحمة لهم .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { ألا تتخذوا من دوني ‎وكيلا } قال : شريكا .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله : { ذرية من حملنا مع نوح } . قال : هو على النداء يا ذرية من حملنا مع نوح .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( ذرية من حملنا مع نوح ما كان مع نوح إلا أربعة أولاد : حام ، وسام ، ويافث ، وكوش ، فذلك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق ) .

واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير ، والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها ، وليس في ذلك كثير فائدة ، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث ، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، وهو مبحث آخر ، والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز ، وذكر أسباب النزول ، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية ، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 810 - 811
counter free hit invisible