<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } { قيما } موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض المهم .

ولما كان إنزال القرآن على النبيء صلى الله عليه وسلم أجزل نعماء الله تعالى على عباده المؤمنين ; لأنه سبب نجاتهم في حياتهم الأبدية ، وسبب فوزهم في الحياة العاجلة بطيب الحياة وانتظام الأحوال ، والسيادة على الناس ، ونعمة على النبيء صلى الله عليه وسلم بأن جعله واسطة ذلك ومبلغه ومبينه ; لأجل ذلك استحق الله تعالى أكمل الحمد إخبارا وإنشاء ، وقد تقدم إفادة جملة " الحمد لله " استحقاقه أكمل الحمد في صدر سورة الفاتحة .

وهي هنا جملة خبرية ، أخبر الله نبيه ، والمسلمين بأن مستحق الحمد هو الله تعالى لا غيره ; فأجرى على اسم الجلالة الوصف بالموصول ; تنويها بمضمون الصلة ، ولما يفيده الموصول من تعليل الخبر . وذكر النبيء صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله ; تقريب لمنزلته ، وتنويه به بما في إنزال الكتاب عليه من رفعة قدره كما في قوله تعالى { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } .

والكتاب : القرآن ، فكل مقدار منزل من القرآن فهو الكتاب ، فالمراد بالكتاب هنا ما وقع إنزاله من يوم البعثة في غار حراء إلى يوم نزول هذه السورة ، ويلحق به ما ينزل بعد هذه الآية ، ويزاد به مقداره .

وجملة { ولم يجعل له عوجا } معترضة بين الكتاب وبين الحال منه وهو { قيما } ، والواو اعتراضية ، ويجوز كون الجملة حالا ، والواو حالية .

والعوج بكسر العين وفتحها وبفتح الواو حقيقته : انحراف جسم ما عن الشكل المستقيم ، فهو ضد الاستقامة ، ويطلق مجازا على الانحراف عن الصواب والمعاني المقبولة المستحسنة .

والذي عليه المحققون من أيمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في الإطلاقين الحقيقي والمجازي ، وقيل : المكسور العين يختص بالإطلاق المجازي ، وعليه درج في الكشاف ، ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال { فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } حيث اتفق القراء على قراءته بكسر العين ، وعن ابن السكيت : أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي والمجازي ، وأن المفتوح خاص بالمجازي .

والمراد بالعوج هنا : عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب ، وتناقضها ، وبعدها عن الحكمة ، وإصابة المراد .

والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون من قولهم : افتراه ، وأساطير الأولين ، وقول كاهن ; لأن تلك الأمور لا تخلو من عوج ، قال تعالى { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . وضمير " له " عائد إلى " الكتاب " .

وإنما عدي الجعل باللام دون " في " ; لأن العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية ; لأن الظرفية من علائق الأجسام ، وأما معنى الاختصاص فهو أعم .

فالمعنى : أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف ، وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته ، وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به ، فهذا كوصفه بأنه { لا ريب فيه } في سورة البقرة .

و " قيما " حال من الكتاب أو من ضميره المجرور باللام ; لأنه إذا جعل حالا من أحدهما ثبت الاتصاف به للآخر ، إذ هما شيء واحد ، فلا طائل فيما أطالوا به من الإعراب .

والقيم : صفة مبالغة من القيام المجازي ، الذي يطلق على دوام تعهد شيء ، وملازمة صلاحه ; لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء ، والتيقظ لأحواله ، كما تقدم عند قوله تعالى { الحي القيوم } في سورة البقرة .

والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة ، وإصلاحها ، فالمراد أن كماله متعد بالنفع ، فوزانه وزان وصفه بأنه { هدى للمتقين } في سورة البقرة .

والجمع بين قوله { ولم يجعل له عوجا } وقوله " قيما " كالجمع بين { لا ريب فيه } وبين { هدى للمتقين } ، وليس هو تأكيدا لنفي العوج .



{ لينذر بأسا شديدا من لدنه }

" لينذر " متعلق بـ " أنزل " ، والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة ، أي لينذر الله بأسا شديدا من لدنه ، والمفعول الأول لـ " ينذر " محذوف ; لقصد التعميم ، أو تنزيلا للفعل منزلة اللازم ; لأن المقصود المنذر به ، وهو البأس الشديد تهويلا له ، ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله .

والبأس : الشدة في الألم ، ويطلق على القوة في الحرب ; لأنها تؤلم العدو ، وقد تقدم في قوله تعالى { والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } من سورة البقرة ، والمراد هنا : شدة الحال في الحياة الدنيا ، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن ، وعليه درج الطبري ، وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين ، وذلك بأس من لدنه تعالى ; لأنه بتقديره ، وبأمره عباده أن يفعلوه ، فاستعمال لدن هنا في معنييه ; الحقيقي ، والمجازي .

وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علة لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار علل إنزاله على ذلك ; لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضها ، ويترك بعض .

وإنما آثرت الحمل على جعل البأس الشديد بأس الدنيا للتفصي مما يرد على إعادة فعل { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } كما سيأتي .

ويجوز أن يراد بالبأس عذاب الآخرة ، فإنه بأس شديد ، ويكون قوله { من لدنه } مستعملا في حقيقته ، وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين .

ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا ، وعلى هذا درج ابن عطية ، والقرطبي ، ويكون استعمال { من لدنه } في معنييه الحقيقي والمجازي ، أما في عذاب الآخرة فظاهر ، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل ، والأسر ، وهما من أفعال الناس ، ولكن الله أمر المسلمين بهما ، فهما من لدنه .

وحذف مفعول " ينذر " لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ، ولا بالمنزل عليه ، ولدلالة مقابله عليه في قوله { ويبشر المؤمنين } .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 16-16 , الصفحة 247 - 249
counter free hit invisible