<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

تفسير سورة مريم عليها السلام وهي مكية .

وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة ، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة : أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه

بسم الله الرحمن الرحيم ( { كهيعص } ( 1 ) { ذكر رحمة ربك عبده زكريا } ( 2 ) { إذ نادى ربه نداء خفيا } ( 3 ) { قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا } ( 4 ) { وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا } ( 5 ) { يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا } ( 6 ) ) .

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة .

وقوله : ( ذكر رحمة ربك ) أي : هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا .

وقرأ يحيى بن يعمر " ذكر رحمة ربك عبده زكريا " . و ) زكريا ) : يمد ويقصر قراءتان مشهورتان . وكان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل . وفي صحيح البخاري : أنه كان نجارا ، أي : كان يأكل من عمل يديه في النجارة .

وقوله : ( { إذ نادى ربه نداء خفيا } ) : قال بعض المفسرين : إنما أخفى دعاءه ، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره . حكاه الماوردي .

وقال آخرون : إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله . كما قال قتادة في هذه الآية ( { إذ نادى ربه نداء خفيا } ) : إن الله يعلم القلب التقي ، ويسمع الصوت الخفي .

وقال بعض السلف : قام من الليل ، عليه السلام ، وقد نام أصحابه ، فجعل يهتف بربه يقول خفية : يا رب ، يا رب ، يا رب فقال الله : لبيك ، لبيك ، لبيك .

( { قال رب إني وهن العظم مني } ) أي : ضعفت وخارت القوى ، ( { واشتعل الرأس شيبا } ) أي اضطرم المشيب في السواد ، كما قال ابن دريد في مقصورته : إما ترى رأسي حاكي لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جمر الغضا

والمراد من هذا : الإخبار عن الضعف والكبر ، ودلائله الظاهرة والباطنة .

وقوله : ( { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ) أي : ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء ، ولم تردني قط فيما سألتك .

وقوله : ( { وإني خفت الموالي من ورائي } ) : قرأ الأكثرون بنصب " الياء " من ( { الموالي } ) على أنه مفعول ، وعن الكسائي أنه سكن الياء ، كما قال الشاعر : كأن أيديهن في القاع الفرق أيدي جوار يتعاطين الورق

وقال الآخر : فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها أو القمر الساري لألقى المقالدا

ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي : تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل

وقال مجاهد ، وقتادة ، والسدي : أراد بالموالي العصبة . وقال أبو صالح : الكلالة .

وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه كان يقرؤها : " وإني خفت الموالي من ورائي " بتشديد الفاء بمعنى : قلت عصباتي من بعدي .

وعلى القراءة الأولى ، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا ، فسأل الله ولدا ، يكون نبيا من بعده ، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه . فأجيب في ذلك ، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله ، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصباته له ، ويسأل أن يكون له ولد ، فيحوز ميراثه دونه دونهم . هذا وجه .

الثاني : أنه لم يذكر أنه كان ذا مال ، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ، ومثل هذا لا يجمع مالا ، ولا سيما الأنبياء ، عليهم السلام ، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا .

الثالث : أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( " لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " ) وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح : ( " نحن معشر الأنبياء لا نورث " ) وعلى هذا فتعين حمل قوله : ( { فهب لي من لدنك وليا } { يرثني } ) على ميراث النبوة; ولهذا قال : ( { ويرث من آل يعقوب } ) ، كما قال تعالى : ( { وورث سليمان داود } ) [ النمل : 16 ] أي : في النبوة; إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة ، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه ، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها ، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث : ( " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " ) .

قال مجاهد في قوله : ( { يرثني ويرث من آل يعقوب } ) قال : كان وراثته علما وكان زكريا من ذرية يعقوب .

وقال هشيم : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : ( { يرثني ويرث من آل يعقوب } ) قال : قد يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن : يرث نبوته وعلمه .

وقال السدي : يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب .

وعن مالك ، عن زيد بن أسلم : ( { ويرث من آل يعقوب } ) قال : نبوتهم .

وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون ، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : ( { يرثني ويرث من آل يعقوب } ) قال : يرث مالي ، ويرث من آل يعقوب النبوة .

وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( " يرحم الله زكريا ، وما كان عليه من ورثة ، ويرحم الله لوطا ، إن كان ليأوي إلى ركن شديد " )

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا جابر بن نوح ، عن مبارك - هو ابن فضالة - عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " رحم الله أخي زكريا ، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول : ( { فهب لي من لدنك وليا } { يرثني ويرث من آل يعقوب } ) )

وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح ، والله أعلم .

وقوله : ( { واجعله رب رضيا } ) أي مرضيا عندك وعند خلقك ، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 5-5 , الصفحة 210 - 214
counter free hit invisible