<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

أخرج النحاس وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : أنزلت بمكة سورة ( كهيعص ) .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن الزبير قال : نزلت سورة مريم بمكة . وأخرج ابن مردويه عن عائشة مثله .

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أم سلمة أن النجاشي قال لجعفر بن أبي طالب : هل معك مما جاء به ، يعني رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن الله شيء ؟ قال : نعم ، فقرأ عليه صدرا من ( كهيعص ) فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . وقد ذكر ابن إسحاق القصة بطولها .

بسم الله الرحمن الرحيم { كهيعص } { ذكر رحمة ربك عبده زكريا } { إذ نادى ربه نداء خفيا } { قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا } { وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا } { يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا } { يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } { قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } { قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } { قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } { فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا .

} قوله { كهيعص } قرأ أبو جعفر هذه الحروف مقطعة ، ووصلها الباقون ، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الباء ، وعكس ذلك ابن عامر وحمزة ، وأمالهما جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف ، وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة وفتحهما الباقون .

وعن خارجة أن الحسن كان يضم ( كاف ) وحكى عن غيره أنه كان يضم ( ها ) . وقال أبو حاتم : لا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ولا الياء . قال النحاس : قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا ، والإمالة جائزة في ( ها ) وفي ( يا ) وقد اعترض على قراءة الحسن جماعة . وقيل : في تأويلها أنه كان يشم الرفع فقط .

وأظهر الدال من هجاء ( صاد ) نافع وأبو جعفر وابن كثير وعاصم ويعقوب ، وهو اختيار أبو عبيدة وأدغمها الباقون .

وقد قيل في توجيه هذه القراءات أن التفخيم هو الأصل ، والإمالة فرع عنه ، فمن قرأ بتفخيم الهاء والياء فقد عمل بالأصل ، ومن أمالهما فقد عمل بالفرع ، ومن أمال أحدهما وفخم الآخر فقد عمل بالأمرين ، وقد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في فواتح السور مستوفى في أوائل سورة البقرة ، ومحل هذه الفاتحة إن جعلت اسما للسورة على ما عليه الأكثر الرفع على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها ، قاله الفراء .

واعترضه الزجاج فقال : هذا محال ؛ لأن ( { كهيعص } ) ليس هو مما أنبأنا الله - عز وجل - به عن زكريا ، وقد أخبر الله - تبارك وتعالى - عنه وعما بشر به ، وليس ( { كهيعص } ) من قصته . أو على أنها خبر مبتدأ محذوف . وإن جعلت مسرودة على نمط التعديد فقوله : { ذكر رحمة ربك } خبر لمبتدأ محذوف ، أي : هذا ذكر رحمة ربك ، وقيل : هو مبتدأ خبره محذوف ، أي : فيما يتلى عليك ذكر رحمة ربك . وقال الزجاج : ( ذكر ) مرتفع بالضمير ، والمعنى : هذا الذي نتلوه عليك ذكر رحمة ربك { عبده زكريا } يعني إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد ، وانتصاب ( عبده ) على أنه مفعول للرحمة قاله الأخفش . وقيل : للذكر . ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها ، كما يقال : ذكرني معروف فلان أي : بلغني .

وقرأ يحيى بن يعمر ( ذكر ) بالنصب ، وقرأ أبو العالية ( عبده ) بالرفع على أن المصدر مضاف إلى المفعول ، وفاعل الذكر هو ( عبده ) وزكريا على القراءتين عطف بيان له أو بدل منه ، وقرأ الكلبي ( ذكر ) على صيغة الفعل الماضي مشددا ومخففا على أن الفاعل ( عبده ) وقرأ ابن معمر على الأمر ، وتكون الرحمة على هذا عبارة عن زكريا ، لأن كل نبي رحمة لأمته .

{ إذ نادى ربه نداء خفيا } العامل في الظرف ( رحمة ) ، وقيل : ( ذكر ) ، وقيل : هو بدل اشتمال من زكريا ، واختلف في وجه كون ندائه هذا خفيا ، فقيل : لأنه أبعد عن الرياء ، وقيل : أخفاه لئلا يلام على طلبه للولد في غير وقته ، ولكونه من أمور الدنيا ، وقيل : أخفاه مخافة من قومه ، وقيل : كان ذلك منه لكونه قد صار ضعيفا هرما لا يقدر على الجهر .

{ قال رب إني وهن العظم مني } هذه الجملة مفسرة لقوله : نادى ربه . يقال : وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن ، وقرئ بالحركات الثلاث ، أراد أن عظامه فترت وضعفت قوته ، وذكر العظم ؛ لأنه عمود البدن ، وبه قوامه ، وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ، ولأن أشد ما في الإنسان صلبه ، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن ، ووحد العظم قاصدا إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام { واشتعل الرأس شيبا } قرأ أبو عمرو بإدغام السين في الشين ، والباقون بعدمه ، والاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار ، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية ، بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه ، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها .

قال الزجاج : يقال للشيب إذا كثر جدا : قد اشتعل رأس فلان ، وأنشد للبيد : فإن تري رأسي أمسى واضحا سلط الشيب عليه فاشتعل وانتصاب ( شيبا ) على التمييز . قاله الزجاج . وقال الأخفش : انتصابه على المصدر ؛ لأن معنى اشتعل : شاب . قال النحاس : قول الأخفش أولى لأنه مشتق من ( فعل ) والمصدرية أظهر فيما كان كذلك ، وكان الأصل : اشتعل شيب رأسي ، فأسند الاشتعال إلى الرأس لإفادة الشمول { ولم أكن بدعائك رب شقيا } أي : لم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من الأوقات ، بل كلما دعوتك استجبت لي .

قال العلماء : يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع ، وذكر نعم الله عليه كما فعل زكريا هاهنا ، فإن في قوله : { وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا } غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن نيل مطالبه وبلوغ مآربه ، وفي قوله : { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ذكر ما عوده الله من الإنعام عليه بإجابة أدعيته ، يقال شقي بكذا ، أي : تعب فيه ولم يحصل مقصوده منه .

{ وإني خفت الموالي من ورائي } قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن علي بن الحسين وأبوه علي ويحيى بن يعمر ( خفت ) بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء وفاعله { الموالي } أي : قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي ، أو انقطعوا بالموت ، مأخوذ من خفت القوم : إذا ارتحلوا ، وهذه القراءة شاذة بعيدة عن الصواب .

وقرأ الباقون خفت بكسر الخاء وسكون الفاء على أن فاعله ضمير يعود إلى زكريا ومفعوله ( الموالي ) و ( من ورائي ) متعلق بمحذوف لا بخفت ، وتقديره : خفت فعل الموالي من بعدي .

قرأ الجمهور ورائي بالهمز والمد وسكون الياء ، وقرأ ابن كثير بالهمز والمد وفتح الياء .

وروي عنه أنه قرأ بالقصر مفتوح الياء ، مثل : عصاي ، و ( الموالي ) هنا هم الأقارب الذين يرثون وسائر العصبات من بني العم ونحوهم ، والعرب تسمي هؤلاء موالي ، قال الشاعر : مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنشروا بيننا ما كان مدفونا قيل : الموالي الناصرون له .

واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده ، فقيل : خاف أن يرثوا ماله ، وأراد أن يرثه ولده ، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولدا .

وقال آخرون : إنهم كانوا مهملين لأمر الدين فخاف أن يضيع الدين بموته ، فطلب وليا يقوم به بعد موته . وهذا القول أرجح من الأول ؛ لأن الأنبياء لا يورثون وهم أجل من أن يعتنوا بأمور الدنيا ، فليس المراد هنا وراثة المال ، بل المراد وراثة العلم والنبوة ، والقيام بأمر الدين . وقد ثبت عن نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة ) ، { وكانت امرأتي عاقرا } العاقر : هي التي لا تلد لكبر سنها ، والتي لا تلد أيضا لغير كبر وهي المرادة هنا ، ويقال للرجل الذي لا يلد عاقرا أيضا ، ومنه قول عامر بن الطفيل : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا قال ابن جرير : وكان اسم امرأته أشاع بنت فاقود بن ميل ، وهي أخت حنة ، وحنة هي أم مريم . وقال القتيبي : هي أشاع بنت عمران ، فعلى القول الأول يكون يحيى بن زكريا ابن خالة أم عيسى ، وعلى القول الثاني يكونان ابني خالة كما ورد في الحديث الصحيح .

{ فهب لي من لدنك وليا } أي : أعطني من فضلك وليا ، ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما وحصوله منهما . وقد قيل : إنه كان ابن بضع وتسعين سنة ، وقيل : بل أراد بالولي الذي طلبه الولد ، ولا مانع من سؤال ما كان مثله لما هو خارق للعادة ، فإن الله سبحانه قد يكرم رسله بما يكون كذلك ، فيكون من جملة المعجزات الدالة على صدقهم .

{ يرثني ويرث من آل يعقوب } قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة وابن محيصن ويحيى بن المبارك اليزيدي بالرفع في الفعلين جميعا على أنهما صفتان للولي وليسا بجواب للدعاء . وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بالجزم فيهما على أنهما جواب للدعاء . ورجح القراءة الأولى أبو عبيد وقال : هي أصوب في المعنى ؛ لأنه طلب وليا هذه صفته فقال : هب لي الذي يكون وارثي .

ورجح ذلك النحاس وقال : لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة ، تقول : أطع الله يدخلك الجنة ، أي : إن تطعه يدخلك الجنة ، وكيف يخبر الله سبحانه بهذا ، أعني كونه أن يهب له وليا يرثه ، وهو أعلم بذلك ، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوة على ما هو الراجح كما سلف .

وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . وزعم بعض المفسرين أنه يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان ، وبه قال الكلبي ومقاتل ، و ( آل يعقوب ) هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين ، وقد كان فيهم أنبياء وملوك ، وقرئ ( يرثني وارث من آل يعقوب ) على أنه فاعل يرثني . وقرئ ( وأرث آل يعقوب ) أي : أنا . وقرئ ( أويرث آل يعقوب ) بلفظ التصغير على أن هذا المصغر فاعل ( يرثني ) وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظا ومعنى .

{ واجعله رب رضيا } أي : مرضيا في أخلاقه وأفعاله ، وقيل : راضيا بقضائك وقدرك ، وقيل : رجلا صالحا ترضى عنه ، وقيل : نبيا كما جعلت آباءه أنبياء .

{ يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى } قال جمهور المفسرين : إن هذا النداء من الله سبحانه ، وقيل : إنه من جهة الملائكة ، لقوله في آل عمران { فنادته الملائكة } [ آل عمران : 39 ] ، وفي الكلام حذف أي : فاستجاب له دعاءه ، فقال يا زكرياء ، وقد تقدم في آل عمران وجه التسمية بيحيى وزكرياء .

قال الزجاج : سمي يحيى لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها { لم نجعل له من قبل سميا } قال أكثر المفسرين : معناه لم نسم أحدا قبله يحيى .

وقال مجاهد وجماعة : معنى { لم نجعل له من قبل سميا } أنه لم يجعل له مثلا ولا نظيرا ، فيكون على هذا مأخوذا من المساماة أو السمو ، ورد هذا بأنه يقتضي تفضيله على إبراهيم وموسى ، وقيل : معناه : لم تلد عاقر مثله ، والأول أولى .

وفي إخباره سبحانه بأنه لم يسم بهذا الاسم قبله أحد فضيلة له من جهتين : الأولى أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به ، ولم يكلها إلى الأبوين .

والجهة الثانية أن تسميته باسم لم يوضع لغيره يفيد تشريفه وتعظيمه .

{ قال رب أنى يكون لي غلام } أي : كيف أو من أين لي غلام ؟ وليس معنى هذا الاستفهام الإنكار ، بل التعجب من قدرة الله وبديع صنعه ؛ حيث يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير ، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في آل عمران { وقد بلغت من الكبر عتيا } يقال : عتا الشيخ يعتو عتيا : إذا انتهى سنه وكبر ، وشيخ عات : إذا صار إلى حال اليبس والجفاف ، والأصل ( عتوا ) لأنه من ذوات الواو فأبدلوه ياء لكونها أخف ، ومثل ما في الآية قول الشاعر : إنما يعذر الوليد ولا يع ذر من كان في الزمان عتيا وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص والأعمش عتيا بكسر العين ، وقرأ الباقون بضم العين وهما لغتان ، ومحل جملة { وكانت امرأتي عاقرا } النصب على الحال من ضمير المتكلم ، ومحل جملة { وقد بلغت من الكبر عتيا } النصب أيضا على الحال ، وكلا الجملتين لتأكيد الاستبعاد والتعجب المستفاد من قوله : { أنى يكون لي غلام } أي : كيف يحصل بيننا ولد الآن ، وقد كانت امرأتي عاقرا لم تلد في شبابها وشبابي وهي الآن عجوز ، وأنا شيخ هرم ؟ ثم أجاب الله سبحانه على هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله : { قال كذلك قال ربك } الكاف في محل رفع أي : الأمر كذلك ، والإشارة إلى ما سبق من قول زكريا ، ثم ابتدأ بقوله : قال ربك ويحتمل أن يكون محله النصب على المصدرية أي : قال قولا مثل ذلك ، والإشارة بـ ( ذلك ) إلى مبهم يفسره قوله : { هو علي هين } وأما على الاحتمال الأول فتكون جملة { هو علي هين } مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره أي قال : هو مع بعده عندك علي هين ، وهو فيعل من هان الشيء يهون : إذا لم يصعب ولم يمتنع من المراد .

قال الفراء ، أي : خلقه علي هين { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } هذه الجملة مقررة لما قبلها .

قال الزجاج أي : فخلق الولد لك كخلقك ، والمعنى : أن الله سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض ، فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه ، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه السلام لكونه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول : وقد خلقت أباك آدم من قبل ولم يك شيئا ، للدلالة على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم .

قرأ أهل المدينة وأهل مكة والبصرة وعاصم وابن عامر { وقد خلقتك من قبل } وقرأ سائر الكوفيين ( وقد خلقناك من قبل ) .

{ قال رب اجعل لي آية } أي : علامة تدلني على وقوع المسئول وتحققه وحصول الحبل ، والمقصود من هذا السؤال تعريفه وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه .

قال ابن الأنباري : وجه ذلك أن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه ، وقيل : طلب آية تدل على أن البشرى من الله سبحانه لا من الشيطان ؛ لأن إبليس أوهمه بذلك . كذا قال الضحاك والسدي وهو بعيد جدا { آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } قد تقدم تفسير هذا في آل عمران مستوفى ، وانتصاب ( سويا ) على الحال ، والمعنى : آيتك أن لا تقدر على الكلام والحال أنك سوي الخلق ليس بك آفة قد تمنعك منه ، وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن .

{ فخرج على قومه من المحراب } وهو مصلاه ، واشتقاقه من الحرب ، كأن ملازمه يحارب الشيطان ، وقيل : من الحرب محركا ، كأن ملازمه يلقى حربا وتعبا ونصبا { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } قيل : معنى أوحى : أومأ . بدليل قوله في آل عمران { إلا رمزا } [ آل عمران : 41 ] وقيل : كتب لهم في الأرض ، وبالأول قال الكلبي والقرظي وقتادة وابن منبه ، وبالثاني قال مجاهد ، وقد يطلق الوحي على الكتابة ومنه قول ذي الرمة : سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية وحي في بطون الصحائف وقال عنترة : كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمي و ( أن ) في قوله : { أن سبحوا } مصدرية أو مفسرة ، والمعنى : فأوحى إليهم بأن صلوا ، أو أي صلوا ، وانتصاب ( بكرة وعشيا ) على الظرفية .

قال الفراء : العشي يؤنث ، ويجوز تذكيره إذا أبهم .

قال : وقد يقال : العشي جمع عشية ، قيل : والمراد صلاة الفجر والعصر ، وقيل : المراد بالتسبيح هو قولهم : سبحان الله في الوقتين أي : نزهوا ربكم طرفي النهار .

وقد أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والضياء في المختارة ، عن ابن عباس في قوله : { كهيعص } كبير هاد أمين عزيز صادق ، وفي لفظ ( كاف ) بدل ( كبير ) .

وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس { كهيعص } قال : كاف من كريم ، وهاء من هاد ، وياء من حكيم ، وعين من عليم ، وصاد من صادق .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود وناس من الصحابة { كهيعص } هو الهجاء المقطع ، الكاف من الملك ، والهاء من الله ، والياء والعين من العزيز ، والصاد من المصور .

وأخرج ابن مردويه ، عن الكلبي أنه سئل عن { كهيعص } فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( كاف هاد عالم صادق ) .

وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجه وابن جرير عن فاطمة ابنة علي قالت : كان علي يقول : يا كهيعص اغفر لي .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في { كهيعص } قال : الكاف الكافي ، والهاء الهادي ، والعين العالم ، والصاد الصادق .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر ، عن السدي قال : كان ابن عباس يقول في ( كهيعص ، وحم ، ويس ) وأشباه هذا : هو اسم الله الأعظم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله .

وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح مرفوعا في ذلك شيء ، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه ، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح . فلا يقوم شيء من ذلك حجة ، بل الحق الوقف ، ورد العلم في مثلها إلى الله سبحانه ، وقد قدمنا تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( كان زكريا نجارا ) .

وأخرج الحاكم وصححه ، عن ابن مسعود قال : كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن أزر بن مسلم من ذرية يعقوب دعا ربه سرا { قال رب إني وهن العظم مني } إلى قوله : { خفت الموالي } قال : وهم العصبة يرثني يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب ، فنادته الملائكة ، وهو جبريل : إن الله يبشرك { بغلام اسمه يحيى } فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال : يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك ، فشك وقال : { أنى يكون لي غلام } يقول : من أين يكون وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ، قال الله : { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } .

وأخرج الفريابي عنه قال : كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال : رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب قال : يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ، عن ابن عباس في قوله : { لم نجعل له من قبل سميا } قال : مثلا .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عنه قال : لا أدري كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقرأ هذا الحرف عتيا أو عسيا .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عطاء في قوله : عتيا قال : لبث زمانا في الكبر .

وأخرج أيضا ، عن السدي قال : هرما .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : { ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } قال : اعتقل لسانه من غير مرض ، وفي لفظ : من غير خرس ، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { فأوحى إليهم } قال : كتب لهم كتابا .

وأخرج ابن أبي الدنيا والحاكم وصححه ، عن ابن عباس في قوله : { أن سبحوا } قال : أمرهم بالصلاة { بكرة وعشيا } .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 882 - 884
counter free hit invisible