<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى : ( { طه } ( 1 ) { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ( 2 ) { إلا تذكرة لمن يخشى } ( 3 ) )

قال أبو جعفر محمد بن جرير : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( { طه } ) فقال بعضهم : معناه يا رجل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن الحسن بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : طه : بالنبطية : يا رجل .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) فإن قومه قالوا : لقد شقي هذا الرجل بربه ، فأنزل الله تعالى ذكره ( { طه } ) يعني : يا رجل ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عبد الله بن مسلم ، أو يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير أنه قال : طه : يا رجل بالسريانية .

قال ابن جريج : وأخبرني زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، بذلك أيضا . قال ابن جريج ، وقال مجاهد ، ذلك أيضا .

حدثنا عمران بن موسى القزاز ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا عمارة عن عكرمة ، في قوله ( { طه } ) قال : يا رجل ، كلمه بالنبطية .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد الله ، عن عكرمة ، في قوله ( { طه } ) قال : بالنبطية : يا إنسان .

حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن قرة بن خالد ، عن الضحاك ، في قوله ( { طه } ) قال : يا رجل بالنبطية .

حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حصين ، عن عكرمة في قوله ( { طه } ) قال : يا رجل .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( { طه } ) قال : يا رجل ، وهي بالسريانية .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة والحسن في قوله ( { طه } ) قالا يا رجل .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد ، يعني ابن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( { طه } ) قال : يا رجل .

وقال آخرون : هو اسم من أسماء الله ، وقسم أقسم الله به .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله ( { طه } ) قال : فإنه قسم أقسم الله به ، وهو اسم من أسماء الله .

وقال آخرون : هو حروف هجاء .

وقال آخرون : هو حروف مقطعة يدل كل حرف منها على معنى ، واختلفوا في ذلك اختلافهم في "ألم" .

وقد ذكرنا ذلك في مواضعه ، وبينا ذلك بشواهده .

والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال : معناه : يا رجل ، لأنها كلمة معروفة في عك فيما بلغني ، وأن معناها فيهم : يا رجل ، أنشدت لمتمم بن نويرة : هتفت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلا

وقال آخر : إن السفاهة طه من خلائقكم لا بارك الله في القوم الملاعين

فإذا كان ذلك معروفا فيهم على ما ذكرنا ، فالواجب أن يوجه تأويله إلى المعروف فيهم من معناه ، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويل أهل العلم من الصحابة والتابعين .

فتأويل الكلام إذن : يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ، ما أنزلناه عليك فنكلفك ما لا طاقة لك به من العمل ، وذكر أنه قيل له ذلك بسبب ما كان يلقى من النصب والعناء والسهر في قيام الليل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) قال : هي مثل قوله ( { فاقرءوا ما تيسر منه } ) فكانوا يعلقون الحبال في صدورهم في الصلاة .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) قال : في الصلاة كقوله : ( { فاقرءوا ما تيسر منه } ) فكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) لا والله ما جعله الله شقيا ، ولكن جعله رحمة ونورا ، ودليلا إلى الجنة .

وقوله ( { إلا تذكرة لمن يخشى } ) يقول تعالى ذكره : ما أنزلنا عليك هذا القرآن إلا تذكرة لمن يخشى عقاب الله ، فيتقيه بأداء فرائض ربه واجتناب محارمه .

كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( { إلا تذكرة لمن يخشى } ) وإن الله أنزل كتبه ، وبعث رسله رحمة رحم الله بها العباد ، ليتذكر ذاكر ، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله ، وهو ذكر له أنزل الله فيه حلاله وحرامه ، فقال ( { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا } ) .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( { إلا تذكرة لمن يخشى } ) قال : الذي أنزلناه عليك تذكرة لمن يخشى .

فمعنى الكلام إذن : يا رجل ما أنزلنا عليك هذا القرآن لتشقى به ، ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى .

وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب تذكرة ، فكان بعض نحويي البصرة يقول : قال : إلا تذكرة بدلا من قوله لتشقى ، فجعله : ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة ، وكان بعض نحويي الكوفة يقول : نصبت على قوله : ما أنزلناه إلا تذكرة ، وكان بعضهم ينكر قول القائل : نصبت بدلا من قوله ( لتشقى ) ويقول : ذلك غير جائز ، لأن ( لتشقى ) في الجحد ، و ( { إلا تذكرة } ) في التحقيق ، ولكنه تكرير ، وكان بعضهم يقول : معنى الكلام : ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى ، لا لتشقى .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 18-18 , الصفحة 266 - 270
counter free hit invisible