<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

قال القرطبي : مكية في قول الجميع . وأخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة طه بمكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله . وأخرج الدارمي وابن خزيمة في التوحيد ، والعقيلي في الضعفاء ، والطبراني في الأوسط ، وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( إن الله تبارك وتعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام ، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت : طوبى لأمة ينزل عليها هذا ، وطوبى لأجواف تحمل هذا ، وطوبى لألسنة تكلمت بهذا ) .

قال ابن خزيمة بعد إخراجه : حديث غريب ، وفيه نكارة ، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما ، يعني إبراهيم بن مهاجر بن سمار وشيخه عمر بن حفص بن ذكوان وهما من رجال إسناده . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( أعطيت السورة التي ذكرت فيها الأنعام من الذكر الأول ، وأعطيت سورة طه والطواسين من ألواح موسى ، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم البقرة من تحت العرش ، وأعطيت المفصل نافلة ) . وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( كل قرآن يوضع عن أهل الجنة فلا يقرءون منه شيئا إلا سورة طه ويس ، فإنهم يقرءون بهما في الجنة ) . وأخرج الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك ، فذكر قصة عمر بن الخطاب مع أخته وخباب وقراءتهما طه ، وكان ذلك بسبب إسلام عمر ، والقصة مشهورة في كتب السير . بسم الله الرحمن الرحيم . { طه } { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } { إلا تذكرة لمن يخشى } { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا } { الرحمن على العرش استوى } { له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } { وهل أتاك حديث موسى } { إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى } { فلما أتاها نودي ياموسى } { إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى } { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } { إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى } .

قوله : طه قرأ بإمالة الهاء وفتح الطاء أبو عمرو وابن أبي إسحاق ، وأمالهما جميعا أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش . وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين ، واختار هذه القراءة أبو عبيد . وقرأ الباقون بالتفخيم . قال الثعلبي : وهي كلها لغات صحيحة فصيحة . وقال النحاس : لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين : الأولى أنه ليس هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون الإمالة ، والعلة الثانية أن الطاء من موانع الإمالة .

وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الكلمة على أقوال : الأول أنها من المتشابه الذي لا يفهم المراد به ، والثاني أنها بمعنى يا رجل في لغة عكل ، وفي لغة عك . قال الكلبي : لو قلت لرجل من عك يا رجل لم يجب حتى تقول طه ، وأنشد ابن جرير في ذلك : دعوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلا ويروى مزايلا ، وقيل : إنها في لغة عك بمعنى يا حبيبي . وقال قطرب : هي كذلك في لغة طي : أي بمعنى يا رجل ، وكذلك قال الحسن وعكرمة . وقيل : هي كذلك في اللغة السريانية ، حكاه المهدوي . وحكى ابن جرير أنها كذلك في اللغة النبطية ، وبه قال السدي وسعيد بن حبين . وحكى الثعلبي عن عكرمة أنها كذلك في لغة الحبشة ، ورواه عن عكرمة ، ولا مانع من أن تكون هذه الكلمة موضوعة لذلك المعنى في تلك اللغات كلها إذا صح النقل . القول الثالث : أنها اسم من أسماء الله سبحانه . والقول الرابع أنها اسم للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - . القول الخامس أنها اسم للسورة . القول السادس أنها حروف مقطعة يدل كل واحد منها على معنى . ثم اختلفوا في هذه المعاني التي تدل عليها هذه الحروف على أقوال كلها متكلفة متعسفة . القول السابع أن معناها طوبى لمن اهتدى . القول الثامن أن معناها : طإ الأرض يا محمد . قال ابن الأنباري : وذلك أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى التروح ، فقيل له طإ الأرض : أي لا تتعب حتى تحتاج إلى التروح .

وحكى القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى ، ) فأنزل الله طه يعني طإ الأرض يا محمد ، وحكي عن الحسن البصري أنه قرأ طه على وزن دع أمر بالوطء ، والأصل طأ فقلبت الهمزة هاء .

وقد حكى الواحدي عن أكثر المفسرين أن هذه الكلمة معناها : يا رجل ، يريد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : وهو قول الحسن وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ومجاهد وابن عباس في رواية عطاء والكلبي غير أن بعضهم يقول : هي بلسان الحبشة والنبطية والسريانية ، ويقول الكلبي : هي بلغة عك . قال ابن الأنباري : ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى ، لأن الله سبحانه لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش انتهى .

وإذا تقرر أنها لهذا المعنى في لغة من لغات العرب كانت ظاهرة المعنى واضحة الدلالة خارجة عن فواتح السور التي قدمنا بيان كونها من المتشابه في فاتحة سورة البقرة ، وهكذا إذا كانت لهذا المعنى في لغة من لغات العجم واستعملها العرب في كلامها في ذلك المعنى كسائر الكلمات العجمية التي استعملتها العرب الموجودة في الكتاب العزيز ، فإنها صارت بذلك الاستعمال من لغة العرب .

وجملة ما { أنزلنا عليك القرآن لتشقى } مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب ، والشقاء يجيء في معنى التعب . قال ابن كيسان : وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب ، ومنه قول الشاعر : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم والمعنى : ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم ، وتحسرك على أن يؤمنوا ، فهو كقوله سبحانه : فلعلك باخع نفسك [ الكهف : 6 ] قال النحاس : بعض النحويين يقول : هذه اللام في لتشقى لام النفي ، وبعضهم يقول لام الجحود . وقال ابن كيسان : هي لام الخفض ، وهذا التفسير للآية هو على قول من قال إن طه كسائر فواتح السور التي ذكرت تعديدا لأسماء الحروف ، وإن جعلت اسما للسورة كان قوله : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى خبرا عنها ، وهي في موضع المبتدأ ، وأما على قول من قال : إن معناها يا رجل ، أو بمعنى الأمر بوطء الأرض فتكون الجملة مستأنفة لصرفه - صلى الله عليه وآله وسلم - عما كان عليه من المبالغة في العبادة . وانتصاب إلا تذكرة على أنه مفعول له ل أنزلنا كقولك : ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقا عليك . وقال الزجاج : هو بدل من لتشقى : أي ما أنزلناه إلا تذكرة . وأنكره أبو علي الفارسي من جهة أن التذكرة ليست بشقاء ، قال : وإنما هو منصوب على المصدرية : أي أنزلناه لتذكر به تذكرة ، أو على المفعول من أجله : أي { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } به ، ما أنزلناه إلا للتذكرة . وانتصاب { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا } على المصدرية : أي أنزلناه تنزيلا ، وقيل : بدل من قوله تذكرة ، وقيل : هو منصوب على المدح ، وقيل : منصوب بـ يخشى : أي يخشى تنزيلا من الله على أنه مفعول به ، وقيل : منصوب على الحال بتأوله باسم الفاعل . وقرأ أبو حيوة الشامي ( تنزيل ) بالرفع على معنى هذا تنزيل ، وممن خلق متعلق بتنزيلا ، أو بمحذوف هو صفة له ، وتخصيص خلق الأرض والسماوات لكونهما أعظم ما يشاهده العباد من مخلوقاته عز وجل ، والعلى : جمع العليا : أي المرتفعة كجمع كبرى وصغرى على كبر وصغر . ومعنى الآية إخبار العباد عن كمال عظمته سبحانه وعظيم جلاله . وارتفاع الرحمن على أنه خبر مبتدأ محذوف كما قال الأخفش ، ويجوز أن يكون مرتفعا على المدح أو على الابتداء . وقرئ بالجر ، قال الزجاج على البدل ممن ، وجوز النحاس أن يكون مرتفعا على البدل من المضمر في خلق ، وجملة على العرش استوى في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف ، أو على أنها خبر الرحمن عند من جعله مبتدأ . قال أحمد بن يحيى : قال ثعلب : الاستواء الإقبال على الشيء ، وكذا قال الزجاج والفراء . وقيل : هو كناية عن الملك والسلطان ، والبحث في تحقيق هذا يطول ، وقد تقدم البحث عنه في الأعراف . والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه سبحانه مستو على عرشه بغير حد ولا كيف ، وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح الذي يروون الصفات كما وردت من دون تحريف ولا تأويل . { له ما في السماوات وما في الأرض } أي أنه مالك كل شيء ومدبره وما بينهما من الموجودات وما تحت الثرى الثرى في اللغة التراب الندي : أي ما تحت التراب من شيء . قال الواحدي : والمفسرون يقولون إنه سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله سبحانه .

{ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } الجهر بالقول هو رفع الصوت به والسر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه ، والأخفى من السر هو ما حدث به الإنسان نفسه وأخطره بباله .

والمعنى : إن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن ذلك ، فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر ، فلا حاجة لك إلى الجهر بالقول ، وفي هذا معنى النهي عن الجهر كقوله سبحانه : واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة [ الأعراف : 205 ] وقيل : السر ما أسر الإنسان في نفسه ، والأخفى منه هو ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه ، وقيل : السر ما أضمره الإنسان في نفسه ، والأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد ، وقيل : السر سر الخلائق ، والأخفى منه سر الله عز وجل ، وأنكر ذلك ابن جرير وقال : إن الأخفى ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه .

ثم ذكر أن الموصوف بالعبادة على الوجه المذكور هو الله سبحانه المنزه عن الشريك المستحق لتسميته بالأسماء الحسنى فقال : الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى فالله خبر مبتدأ محذوف : أي الموصوف بهذه الصفات الكمالية الله ، وجملة ( لا إله إلا هو ) مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به سبحانه : أي : لا إله في الوجود إلا هو ، وهكذا جملة ( له الأسماء الحسنى ) مبينة لاستحقاقه تعالى للأسماء الحسنى ، وهي التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح .

وقد تقدم بيانها في قوله سبحانه : { ولله الأسماء الحسنى } [ الأعراف : 180 ] من سورة الأعراف ، والحسنى تأنيث الأحسن ، والأسماء مبتدأ وخبرها الحسنى ، ويجوز أن يكون الله مبتدأ وخبره الجملة التي بعده ، ويجوز أن يكون بدلا من الضمير في يعلم .

ثم قرر سبحانه أمر التوحيد بذكر قصة موسى المشتملة على القدرة الباهرة ، والخبر الغريب ، فقال : وهل أتاك حديث موسى الاستفهام للتقرير ، ومعناه : أليس قد أتاك حديث موسى ، وقيل : معناه : قد أتاك حديث موسى ، وقال الكلبي : لم يكن قد أتاه حديث موسى إذ ذاك .

وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة ، وتحمل أثقالها ومقاساة خطوبها ، وأن ذلك شأن الأنبياء قبله . والمراد بالحديث القصة الواقعة لموسى . و إذ رأى نارا ظرف للحديث ، وقيل : العامل فيه مقدر : أي اذكر ، وقيل : يقدر مؤخرا : أي حين رأى نارا كان كيت وكيت ، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافرا إلى أمه بعد استئذانه لشعيب ف لما رآها قال لأهله امكثوا والمراد بالأهل هنا امرأته ، والجمع لظاهر لفظ الأهل أو للتفخيم ، وقيل : المراد بهم المرأة والولد والخادم ، ومعنى امكثوا أقيموا مكانكم ، وعبر بالمكث دون الإقامة ، لأن الإقامة تقتضي الدوام ، والمكث ليس كذلك . وقرأ حمزة ( لأهله ) بضم الهاء ، وكذا في القصص . قال النحاس وهذا على لغة من قال : مررت بهو يا رجل فجاء به على الأصل وهو جائز إلا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة إني آنست نارا أي أبصرت ، يقال آنست الصوت سمعته ، وآنست الرجل أبصرته . وقيل : الإيناس الإبصار البين ، وقيل : الإيناس مختص بإبصار ما يؤنس ، والجملة تعليل للأمر بالمكث ، ولما كان الإتيان بالقبس ، ووجود الهدى متوقعين بين الأمر على الرجاء فقال : لعلي آتيكم منها بقبس أي أجيئكم من النار بقبس ، والقبس شعلة من النار ، وكذا المقباس ، يقال قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني : أي أعطاني وكذا اقتبست .

قال اليزيدي : أقبست الرجل علما وقبسته نارا ، فإن كنت طلبتها له قلت أقبسته . وقال الكسائي : أقبسته نارا وعلما سواء ، قال : وقبسته أيضا فيهما أو أجد على النار هدى أي هاديا يهديني إلى الطريق ويدلني عليها . قال الفراء : أراد هاديا ، فذكره بلفظ المصدر ، أو عبر بالمصدر لقصد المبالغة على حذف المضاف : أي ذا هدى ، وكلمة أو : في الموضعين لمنع الخلو دون الجمع ، وحرف الاستعلاء للدلالة على أن أهل النار مستعلون على أقرب مكان إليها .

{ فلما أتاها نودي } أي فلما أتى النار التي آنسها نودي من الشجرة ، كما هو مصرح بذلك في سورة القصص : أي من جهتها . ومن ناحيتها يا موسى إني أنا ربك أي نودي فقيل يا موسى . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر وابن محيصن وحميد واليزيدي ( أني ) بفتح الهمزة . وقرأ الباقون بكسرها : أي بأني فاخلع نعليك أمره الله سبحانه بخلع نعليه ، لأن ذلك أبلغ في التواضع ، وأقرب إلى التشريف والتكريم وحسن التأدب . وقيل : إنهما كانا من جلد حمار غير مدبوغ ، وقيل : معنى الخلع للنعلين : تفريغ القلب من الأهل والمال ، وهو من بدع التفاسير .

ثم علل سبحانه الأمر بالخلع فقال : { إنك بالوادي المقدس طوى } المقدس المطهر ، والقدس الطهارة ، والأرض المقدسة المطهرة ، سميت بذلك لأن الله أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين ، وطوى اسم للوادي . قال الجوهري : وطوى اسم موضع بالشام بكسر طائه ويضم ، يصرف ولا يصرف ، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة ومن لم يصرفه جعله بلدة ، وبقعة وجعله معرفة ، وقرأ عكرمة ( طوى ) بكسر الطاء ، وقرأ الباقون بضمها . وقيل : إن طوى كثنى من الطي مصدر لنودي ، أو للمقدس : أي نودي نداءين ، أو قدس مرة بعد أخرى . وأنا اخترتك قرأ أهل المدينة ، وأهل مكة وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي وأنا اخترتك بالإفراد . وقرأ حمزة ( وإنا اخترناك ) بالجمع . قال النحاس : والقراءة الأولى أولى من جهتين : إحداهما أنها أشبه بالخط ، والثانية أنها أولى بنسق الكلام لقوله : يا موسى إني أنا ربك ، ومعنى اخترتك اصطفيتك للنبوة والرسالة ، والفاء في قوله : { فاستمع لما يوحى } لترتيب ما بعدها على ما قبلها وما موصولة أو مصدرية أي فاستمع للذي يوحى إليك ، أو للوحي . وجملة إنني أنا الله بدل من ما في لما يوحى .

ثم أمره سبحانه بالعبادة فقال : فاعبدني والفاء هنا كالفاء التي قبلها لأن اختصاص الإلهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة { وأقم الصلاة لذكري } خص الصلاة بالذكر مع كونها داخلة تحت الأمر بالعبادة ، لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة ، وعلل الأمر بإقامة الصلاة بقوله لذكري : أي لتذكرني فإن الذكر الكامل لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة ، أو المعنى لتذكرني فيهما لاشتمالهما على الأذكار ، أو المعنى : أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة . وقيل : المعنى : لأذكرك بالمدح في عليين ، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول .

وجملة إن الساعة آتية تعليل لما قبلها من الأمر : أي إن الساعة التي هي وقت الحساب والعقاب آتية ، فاعمل الخير من عبادة الله والصلاة . ومعنى أكاد أخفيها مختلف فيه . قال الواحدي : قال أكثر المفسرين : أخفيها من نفسي ، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة . وقال المبرد وقطرب : هذا على عادة مخاطبة العرب يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء كتمته حتى من نفسي : أي لم أطلع عليه أحدا ، ومعنى الآية أن الله بالغ في إخفاء الساعة ، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب .

وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ ( أخفيها ) بفتح الهمزة ومعناه أظهرها ، وكذا روى أبو عبيدة عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وفاء بن إياس عن سعيد بن جبير . قال النحاس : وليس لهذه الرواية طريق غير هذا . قال القرطبي : وكذا رواه ابن الأنباري في كتاب الرد قال : حدثني أبي حدثنا محمد بن الجهم ، حدثنا الفراء حدثنا الكسائي فذكره . قال النحاس : وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قرأ ( أخفيها ) بضم الهمزة . قال ابن الأنباري : قال الفراء : ومعنى قراءة الفتح أكاد أظهرها ، من خفيت الشيء إذا أظهرته أخفيه . قال القرطبي : وقد قال بعض اللغويين : يجوز أن يكون أخفيها بضم الألف معناه أظهرها ، لأنه يقال خفيت الشيء وأخفيته من حروف الأضداد يقل على الستر والإظهار . قال أبو عبيدة : خفيت وأخفيت بمعنى واحد .

قال النحاس : وهذا حسن ، وقد أنشد الفراء وسيبويه ما يدل على أن معنى أخفاه أظهره ، وذلك قول امرئ القيس : فإن تكتموا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد أي : وإن تكتموا الداء لا نظهره . وقد حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنه بضم النون من نخفه ، وقال : امرؤ القيس : خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من غشي مخلب أي : أظهرهن . وقد زيف النحاس هذا القول وقال : ليس المعنى على أظهرها ، ولا سيما وأخفيها قراءة شاذة ، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة . وقال ابن الأنباري : في الآية تفسير آخر ، وهو أن الكلام ينقطع على أكاد ، وبعده مضمر : أي أكاد آتي بها ، ووقع الابتداء بأخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ، ومثله قول عمير بن ضابئ البرجمي : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله أي وكدت أفعل ، واختار هذا النحاس . وقال أبو علي الفارسي : هو من باب السلب وليس الأضداد ، ومعنى أخفيها : أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها ، ومن هذا قولهم أشكيته : أي أزلت شكواه . وحكى أبو حاتم عن الأخفش أن أكاد زائدة للتأكيد ، قال : ومثله - إذا أخرج يده لم يكد يراها [ النور : 40 ] . ومثله قول الشاعر : سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما أن يكاد قرنه يتنفس قال : والمعنى أكاد أخفيها : أي أقارب ذلك ، لأنك إذا قلت : كاد زيد يقوم جاز أن يكون قام وأن يكون لم يقم ، ودل على أنه أخفاها بدلالة غير هذه الآية على هذا ، وقوله : { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية ، أو بأخفيها ، وما مصدرية : أي لتجزى كل نفس بسعيها ، والسعي وإن كان ظاهرا في الأفعال ، فهو هنا يعم الأفعال والتروك ، للقطع بأن تارك ما يجب عليه معاقب بتركه مأخوذ به .

فلا يصدنك عنها أي لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة ، والتصديق بها ، أو عن ذكرها ومراقبتها من لا يؤمن بها من الكفرة ، وهذا النهي وإن كان للكافر بحسب الظاهر ، فهو في الحقيقة نهي له - صلى الله عليه وآله وسلم - عن الانصداد ، أو عن إظهار اللين للكافرين فهو من باب : لا أرينك هاهنا ، كما هو معروف . وقيل : الضمير في عنها للصلاة وهو بعيد ، وقوله : واتبع هواه معطوف على ما قبله : أي من لا يؤمن ، ومن اتبع هواه : أي هوى نفسه بالانهماك في اللذات الحسية الفانية فتردى أي فتهلك لأن انصدادك عنها بصد الكافرين لك مستلزم للهلاك ومستتبع له . وقد أخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ( وأول ما نزل عليه الوحي كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى ، فأنزل الله ) { طه } { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال : قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه ، فأنزل الله هذه الآية . وأخرج ابن عساكر عنه أيضا قال : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل لئلا ينام ، فأنزل الله هذه الآية ) . وأخرج البزار عن علي قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يراوح بين قدميه يقوم على كل رجل حتى نزلت : ) { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } وحسن السيوطي إسناده . وأخرج ابن مردويه عنه أيضا بأطول منه . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : ( إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ربما قرأ القرآن إذا صلى ، فقام على رجل واحدة ، فأنزل الله ) طه برجليك فما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه في قوله : طه قال : يا رجل . وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : طه بالنبطية . أي طأ يا رجل . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : هو كقول اقعد . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال : طه بالنبطية يا رجل . وأخرج ابن جرير عنه قال طه يا رجل بالسريانية . وأخرج الحاكم عنه أيضا قال : طه هو كقولك يا محمد بلسان الحبش . وفي هذه الروايات عن ابن عباس اختلاف وتدافع .

وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : إن لي عند ربي عشرة أسماء ، قال أبو الطفيل : حفظت منها ثمانية : محمد ، وأحمد ، وأبو القاسم ، والفاتح ، والخاتم ، والماحي ، والعاقب ، والحاشر وزعم سيف أن أبا جعفر قال له : الاسمان الباقيان طه ويس . وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : { طه } { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } قال : يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ، وكان يقوم الليل على رجليه فهي لغة لعك إن قلت لعكي يا رجل لم يلتفت ، وإذا قلت طه التفت إليك .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : طه قسم أقسم الله به ، وهو من أسمائه . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وما تحت الثرى قال : الثرى كل شيء مبتل . وأخرج أبو يعلى عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سئل ما تحت هذه الأرض ؟ قال : الماء ، قيل : فما تحت الماء ؟ قال : ظلمة ، قيل : فما تحت الظلمة ؟ قال : الهواء قيل : فما تحت الهواء ؟ قال : الثرى ، قيل : فما تحت الثرى ؟ قال : انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق . وأخرج ابن مردويه عنه نحوه بأطول منه . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : { يعلم السر وأخفى } قال : السر ما أسره ابن آدم في نفسه وأخفى ما خفي عن ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه ، فإنه يعلم ذلك كله فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة وهو كقوله : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [ لقمان : 28 ] وأخرج الحاكم وصححه عنه في الآية قال : السر ما علمته أنت ، وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه . وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي بلفظ يعلم ما تسر في نفسك ويعلم ما تعمل غدا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أو أجد على النار هدى يقول : من يدل على الطريق .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن علي في قوله : فاخلع نعليك قال : كانتا من جلد حمار ميت فقيل له اخلعهما . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس إنك بالواد المقدس طوى قال المبارك ، طوى قال اسم الوادي . وأخرج ابن أبي حاتم عنه بالواد المقدس طوى يعني الأرض المقدسة ، وذلك أنه مر بواديها ليلا فطوى : يقال طويت وادي كذا وكذا . وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله : طوى قال : طأ الوادي .

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله قال : أقم الصلاة لذكري . وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله قال أقم الصلاة لذكري ) . وكان ابن شهاب يقرؤها للذكرى . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { أكاد أخفيها } قال : لا أظهر عليها أحدا غيري . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : أكاد أخفيها من نفسي .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 903 - 906
counter free hit invisible