<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وأخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود قال : بنو إسرائيل والكهف ومريم والأنبياء هن من العتاق الأول ، وهن من تلادي . وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب ، فأكرم عامر مثواه ، وكلم فيه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فجاءه الرجل فقال : إني استقطعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - واديا ما في العرب واد أفضل منه ، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك ، فقال عامر : لا حاجة لي في قطعتك ، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا . { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } .

بسم الله الرحمن الرحيم . { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون } { لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } { قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم } { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون } { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين } { ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين } . يقال قرب الشيء واقترب وقد اقترب الحساب : أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه . قال الزجاج : المعنى { اقترب للناس } وقت حسابهم أي القيامة كما في قوله : { اقتربت الساعة } [ القمر : 1 ] واللام في للناس متعلقة بالفعل ، وتقديمها هي ومجرورها على الفاعل لإدخال الروعة ، ومعنى اقتراب وقت الحساب : دنوه منهم ، لأنه في كل ساعة أقرب إليهم من الساعة التي قبلها . وقيل : لأن كل ما هو آت قريب ، وموت كل إنسان قيام ساعته ، والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان ، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى ، والمراد بالناس العموم . وقيل : المشركون مطلقا ، وقيل : كفار مكة ، وعلى هذا الوجه قيل المراد بالحساب : عذابهم يوم بدر ، وجملة { وهم في غفلة معرضون } في محل نصب على الحال : أي هم في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة ، غير متأهبين بما يجب عليهم من الإيمان بالله ، والقيام بفرائضه ، والانزجار عن مناهيه .

{ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } من لابتداء الغاية ، وقد استدل بوصف الذكر لكونه محدثا على أن القرآن محدث ، لأن الذكر هنا هو القرآن . وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف ، لأنه متجدد في النزول . فالمعنى محدث تنزيله ، وإنما النزاع في الكلام النفسي ، وهذه المسألة : أعني قدم القرآن وحدوثه قد ابتلي بها كثير من أهل العلم والفضل في الدولة المأمونية والمعتصمية والواثقية ، وجرى للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد والحبس الطويل ، وضرب بسببها عنق محمد بن نصر الخزاعي ، وصارت فتنة عظيمة في ذلك الوقت وما بعده ، والقصة أشهر من أن تذكر ، ومن أحب الوقوف على حقيقتها طالع ترجمة الإمام أحمد بن حنبل في كتاب النبلاء لمؤرخ الإسلام الذهبي . ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ الله بهم أمة نبيه عن الابتداع ، ولكنهم رحمهم الله جاوزوا ذلك إلى الجزم بقدمه ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث ، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف ، وليتهم لم يجاوزوا حد الوقف وإرجاع العلم إلى علام الغيوب ، فإنه لم يسمع من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول في هذه المسألة شيء من الكلام ، ولا نقل عنهم كلمة في ذلك ، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه ، والتمسك بأذيال الوقف ، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى ، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله ، والأمر لله سبحانه .

وقوله { إلا استمعوه } استثناء مفرغ في محل نصب على الحال ، وجملة { وهم يلعبون } في محل نصب على الحال أيضا من فاعل استمعوه . و { لاهية قلوبهم } حال أيضا والمعنى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في الاستماع مع اللعب والاستهزاء ولهوة القلوب ، وقرئ ( لاهية ) بالرفع كما قرئ ( محدث ) بالرفع { وأسروا النجوى الذين ظلموا } النجوى اسم من التناجي ، والتناجي لا يكون إلا سرا ، فمعنى إسرار النجوى : المبالغة في الإخفاء . وقد اختلف في محل الموصول على أقوال : فقيل إنه في محل رفع بدل من الواو في أسروا قاله المبرد وغيره ، وقيل : هو في محل رفع على الذم ، وقيل : هو فاعل لفعل محذوف ، والتقدير : يقول الذين ظلموا ، واختار هذا النحاس ، وقيل : في محل نصب بتقدير أعني : وقيل : في محل خفض على أنه بدل من الناس ذكر ذلك المبرد ، وقيل : هو في محل رفع على أنه فاعل أسروا على لغة من يجوز الجمع بين فاعلين : كقولهم أكلوني البراغيث ، ذكر ذلك الأخفش ، ومثله { ثم عموا وصموا كثير منهم } [ المائدة : 71 ] ومنه قول الشاعر : فاهتدين البغال للأغراض وقول الآخر : ولكن دنا بي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير : أي والذين ظلموا أسروا النجوى . قال أبو عبيدة : أسروا هنا من الأضداد : يحتمل أن يكون بمعنى أخفوا كلامهم ، ويحتمل أن يكون بمعنى أظهروه وأعلنوه { هل هذا إلا بشر مثلكم } هذه الجملة بتقدير القول قبلها : أي قالوا هل هذا الرسول إلا بشر مثلكم لا يتميز عنكم بشيء ؟ ويجوز أن تكون هذه الجملة بدلا من النجوى ، وهل بمعنى النفي : أي وأسروا هذا الحديث ، والهمزة في { أفتأتون السحر } للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر كنظائره ، وجملة { وأنتم تبصرون } في محل نصب على الحال . والمعنى : إذا كان بشرا مثلكم ، وكان الذي جاء به سحرا ، فكيف تجيبونه إليه وتتبعونه ، فأطلع نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - على ما تناجوا به .

وأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال : { قال ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي لا يخفى عليه شيء مما يقال فيهما ، وفي مصاحف أهل الكوفة قال ربي أي قال محمد : ربي يعلم القول ، فهو عالم بما تناجيتم به . قيل القراءة الأولى أولى ، لأنهم أسروا هذا القول ، فأطلع الله رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - على ذلك وأمره أن يقول لهم هذا . قال النحاس : والقراءتان صحيحتان ، وهما بمنزلة آيتين وهو السميع لكل ما يسمع العليم بكل معلوم ، فيدخل في ذلك ما أسروا دخولا أوليا . { بل قالوا أضغاث أحلام } قال الزجاج : أي قالوا الذي تأتي به أضغاث أحلام . قال القتيبي : أضغاث الأحلام الرؤيا الكاذبة . وقال اليزيدي : الأضغاث ما لم يكن له تأويل ، وهذا إضراب من جهة الله سبحانه حكاية لما وقع منهم ، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية هذا القول . ثم حكى سبحانه إضرابهم عن قولهم : أضغاث أحلام ، قال : بل افتراه أي بل قالوا افتراه من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل . ثم حكى سبحانه عنهم أنهم أضربوا عن هذا وقالوا بل هو شاعر وما أتى به من جنس الشعر ، وفي هذا الاضطراب منهم ، والتلون والتردد أعظم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به ، لا يدرون ما هو ولا يعرفون كنهه ؟ أو كانوا قد علموا أنه حق ، وأنه من عند الله ، ولكن أرادوا أن يدفعوه بالصدر ويرموه بكل حجر ومدر ، وهذا شأن من غلبته الحجة وقهره البرهان . ثم بعد هذا كله ، قالوا : فليأتنا بآية وهذا جواب شرط محذوف : أي إن لم يكن كما قلنا : فليأتنا بآية { كما أرسل الأولون } أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها ، وصالح بالناقة ، ومحل الكاف الجر صفة لآية ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف ، وكان سؤالهم هذا سؤال تعنت ، لأن الله سبحانه قد أعطاهم من الآيات ما يكفي ، ولو علم الله سبحانه أنهم يؤمنون إذا أعطاهم ما يقترحوه لأعطاهم ذلك ، كما قال { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } [ الأنفال : 23 ] قال الزجاج : اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال .

فقال الله مجيبا لهم { ما آمنت قبلهم من قرية } أي قبل مشركي مكة : ومعنى من قرية من أهل قرية ، ووصف القرية بقوله : أهلكناها أي أهلكنا أهلها ، أو أهلكناها بإهلاك أهلها ، وفيه بيان أن سنة الله في الأمم السالفة أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ، ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة ، ومن في من قرية مزيدة للتأكيد .

والمعنى : ما آمنت قرية من القرى التي أهلكناها بسبب اقتراحهم قبل هؤلاء ، فكيف نعطيهم ما يقترحون ، وهم أسوة من قبلهم ، والهمزة في أفهم يؤمنون للتقريع والتوبيخ ، والمعنى : إن لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوا ، فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما اقترحوا .

ثم أجاب سبحانه عن قولهم : هل هذا إلا بشر مثلكم بقوله : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } أي لم نرسل قبلك إلى الأمم السابقة إلا رجالا من البشر ، ولم نرسل إليهم ملائكة كما قال سبحانه { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } [ الإسراء : 95 ] وجملة يوحى إليهم مستأنفة لبيان كيفية الإرسال ، ويجوز أن تكون صفة لرجالا : أي متصفين بصفة الإيحاء إليهم . قرأ حفص وحمزة والكسائي نوحي بالنون ، وقرأ الباقون بالياء التحتية . ثم أمرهم الله بأن يسألوا أهل الذكر إن كانوا يجهلون هذا فقال : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وأهل الذكر هم أهل الكتابين : اليهود والنصارى ، ومعنى إن كنتم لا تعلمون : إن كنتم لا تعلمون أن رسل الله من البشر ، كذا قال أكثر المفسرين . وقد كان اليهود والنصارى لا يجهلون ذلك ولا ينكرونه ، وتقدير الكلام : إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أهل الذكر . وقد استدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ ، ولو سلم لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة ، لا عن الرأي البحت ، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته . وقد أوضحنا هذا في رسالة بسيطة : سميناها القول المفيد في حكم التقليد .

ثم لما فرغ سبحانه من الجواب عن شبهتهم أكد كون الرسل من جنس البشر فقال : { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } أي أن الرسل أسوة لسائر أفراد بني آدم في حكم الطبيعة يأكلون كما يأكلون ويشربون ، والجسد جسم الإنسان . قال الزجاج : هو واحد ، يعني الجسد ينبئ عن جماعة : أي وما جعلناهم ذوي أجساد لا يأكلون الطعام فجملة لا يأكلون الطعام صفة لجسدا : أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن الأكل ، بل هو محتاج إلى ذلك { وما كانوا خالدين } بل يموتون كما يموت غيرهم من البشر ، وقد كانوا يعتقدون أن الرسل لا يموتون ، فأجاب الله عليهم بهذا .

وجملة { ثم صدقناهم الوعد } معطوفة على جملة يدل عليها السياق ، والتقدير : أوحينا إليهم ما أوحينا ، ثم صدقناهم الوعد : أي أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك من كذبهم ، ولهذا قال سبحانه : { فأنجيناهم ومن نشاء } من عبادنا المؤمنين ، والمراد إنجاؤهم من العذاب وإهلاك من كفر بالعذاب الدنيوي ، والمراد بـ المسرفين المجاوزون للحد في الكفر والمعاصي ، وهم المشركون .

وقد أخرج النسائي عن أبي سعيد ( عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله : { وهم في غفلة معرضون } قال : في الدنيا . ) وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في الآية قال : من أمر الدنيا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { بل قالوا أضغاث أحلام } أي فعل الأحلام وإنما هي رؤيا رآها { بل افتراه بل هو شاعر } كل هذا قد كان منه { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } كما جاء عيسى وموسى بالبينات والرسل { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي أن الرسل كانوا إذا جاءوا قومهم بالبينات فلم يؤمنوا لم ينظروا . وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : ( قال أهل مكة للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : إذا كان ما تقوله حقا ويسرك أن نؤمن فحول لنا الصفا ذهبا ، فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذي سألك قومك ، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا ، وإن شئت استأنيت بقومك ، قال : بل أستأني بقومي ، فأنزل الله { ما آمنت قبلهم } ) الآية . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } يقول : لم نجعلهم جسدا ليس يأكلون الطعام ، إنما جعلناهم جسدا يأكلون الطعام .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 929 - 930
counter free hit invisible