<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود } ( 42 ) { وقوم إبراهيم وقوم لوط } ( 43 ) { وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير } ( 44 ) { فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد } ( 45 ) { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ( 46 ) ) .

يقول تعالى مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في تكذيب من خالفه من قومه : ( { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح } ) إلى أن قال : ( { وكذب موسى } ) أي : مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات .

( { فأمليت للكافرين } ) أي : أنظرتهم وأخرتهم ، ( { ثم أخذتهم فكيف كان نكير } ) أي : فكيف كان إنكاري عليهم ، ومعاقبتي لهم؟!

ذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه : ( { أنا ربكم الأعلى } ) [ النازعات : 24 ] ، وبين إهلاك الله له أربعون سنة .

وفي الصحيحين عن أبي موسى ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ : ( { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ) ) [ هود : 102 ] .

ثم قال تعالى : ( { فكأين من قرية أهلكناها } ) أي : كم من قرية أهلكتها ( { وهي ظالمة } ) ] أي : مكذبة لرسولها ، ( { فهي خاوية على عروشها } ) قال الضحاك : سقوفها ، أي : قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها .

( { وبئر معطلة } ) أي : لا يستقى منها ، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها .

( { وقصر مشيد } ) قال عكرمة : يعني المبيض بالجص .

وروي عن علي بن أبي طالب ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وأبي المليح ، والضحاك ، نحو ذلك .

وقال آخرون : هو المنيف المرتفع .

وقال آخرون : الشديد المنيع الحصين .

وكل هذه الأقوال متقاربة ، ولا منافاة بينها ، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ، ولا إحكامه ولا حصانته ، عن حلول بأس الله بهم ، كما قال تعالى : ( { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } ) [ النساء : 78 ] .

وقوله : ( { أفلم يسيروا في الأرض } ) أي : بأبدانهم وبفكرهم أيضا ، وذلك كاف ، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " :

حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر ، حدثنا مالك بن دينار قال : أوحى الله تعالى إلى موسى ، عليه السلام ، أن يا موسى ، اتخذ نعلين من حديد وعصا ، ثم سح في الأرض ، واطلب الآثار والعبر ، حتى تتخرق النعلان وتكسر العصا . وقال ابن أبي الدنيا : قال بعض الحكماء : أحي قلبك بالمواعظ ، ونوره بالفكر ، وموته بالزهد ، وقوه باليقين ، وذلله بالموت ، وقرره بالفناء ، وبصره فجائع الدنيا ، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكره ما أصاب من كان قبله ، وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر ما فعلوا ، وأين حلوا ، وعم انقلبوا .

أي : فانظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال ( { فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها } ) أي : فيعتبرون بها ، ( { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ) أي : ليس العمى عمى البصر ، وإنما العمى عمى البصيرة ، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ، ولا تدري ما الخبر . وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن سارة الأندلسي الشنتريني ، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة : يا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد نادى به الناعيان : الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ، ففيم ترى في رأسك الواعيان : السمع والبصر؟ ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان : العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ، ولا الفلك ال أعلى ولا النيران : الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا ، وإن كرها فراقها الثاويان : البدو والحضر
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 5-5 , الصفحة 438 - 439
counter free hit invisible