<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة الحج )

سبعون وست آيات وهي مكية ، إلا ثلاث آيات ( { هذان خصمان } ) إلى قوله ( { صراط الحميد } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم ( { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } )

بسم الله الرحمن الرحيم ( { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } ) .

اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى ، فدخل فيه أن يتقي كل محرم ويتقي ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب ، ولا يكاد يدخل فيه النوافل ؛ لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب ، وإنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال : ( { اتقوا ربكم } ) فالمراد اتقوا عذاب ربكم .

أما قوله : ( { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : الزلزلة شدة حركة الشيء ، قال صاحب الكشاف : ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي ، فتكون الزلزلة مصدرا مضافا إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى : ( { بل مكر الليل والنهار } ) [ سبأ : 33 ] وهي الزلزلة المذكورة في قوله : ( { إذا زلزلت الأرض زلزالها } ) [ الزلزلة : 1 ] .

المسألة الثانية : اختلفوا في وقتها فعن علقمة والشعبي : أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا وهي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها . وقيل : هي التي تكون معها الساعة . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الصور : ( إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعقة ، ونفخة القيام لرب العالمين ، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة ، تتبعها الرادفة ، قلوب يومئذ واجفة ، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح ) وقال مقاتل وابن زيد : هذا في أول يوم من أيام الآخرة . واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من هذه الأقسام ، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها ، وتكون من أماراتها وأشراطها ، وتصح إذا كانت فيها ومعها ، كقولنا : آيات الساعة وأمارات الساعة .

المسألة الثالثة : روي أن هاتين الآيتين ( نزلتا بالليل والناس يسيرون ، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم ، فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور ، والناس بين باك وجالس حزين متفكر . فقال عليه السلام : " أتدرون أي ذلك اليوم هو ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام : قم فابعث بعث النار من ولدك ، فيقول آدم : وما بعث النار ؟ - يعني من كم كم ؟ - فيقول الله عز وجل : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، فعند ذلك يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى " ، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا ، وقالوا : فمن ينجو يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه : يأجوج ومأجوج " ، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبروا ، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " ، فكبروا وحمدوا الله ، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها [ من ] أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود " ، ثم قال : " ويدخل من أمتي سبعون ألفا إلى الجنة بغير حساب " ، فقال عمر : سبعون ألفا ؟ قال : " نعم ومع كل واحد سبعون ألفا " فقام عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : " أنت منهم " ، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله ، فقال : " سبقك بها عكاشة " فخاض الناس في السبعين ألفا ، فقال بعضهم : هم الذين ولدوا على الإسلام ، وقال بعضهم : هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا ، فقال : " هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ، ولا يسترقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون " ) .

المسألة الرابعة : أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة ، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب ، فيلزم أن تكون التقوى واجبة .



المسألة الخامسة : احتجت المعتزلة بقوله تعالى : ( { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ) وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة ، واحتجوا أيضا بقوله تعالى : ( { إن الله على كل شيء قدير } ) [ البقرة : 20 ] فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجودا أو معدوما ، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادرا على إيجاد الموجود ، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شيء . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : ( { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا } ) [ الكهف : 23 ] أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولا غدا ، والذي يصير مفعولا غدا يكون معدوما في الحال ، فالمعدوم شيء والله أعلم ، والجواب عن الأول : أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض ، وتحقق ذلك في المعدوم محال ، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئا حال عدمها ، فلا بد من التأويل بالاتفاق . ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئا ، وهذا هو الجواب عن البواقي .

المسألة السادسة : وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما عظمه الله تعالى .



أما قوله تعالى : ( { يوم ترونها } ) فهو منصوب بتذهل ، أي تذهل في ذلك اليوم ، والضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما ، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة ؛ لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد . واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أمورا ثلاثة .

أحدها : قوله : ( { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } ) أي تذهلها الزلزلة ، والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة ، فإن قيل : لم قال مرضعة دون مرضع ؟ قلت : المرضعة هي التي في حال الإرضاع وهي ملقمة ثديها الصبي ، والمرضع شأنها أن ترضع ، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به ، فقيل : مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة ، وقوله : ( { عما أرضعت } ) أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته ، وهو الطفل فتكون ما بمعنى من على هذا التأويل .

وثانيها : قوله : ( { وتضع كل ذات حمل حملها } ) والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم ، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث ، قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام ، وقال القفال : يحتمل أن يقال : من ماتت حاملا أو مرضعة تبعث حاملا أو مرضعة تضع حملها من الفزع ، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله : ( { يوما يجعل الولدان شيبا } ) .



وثالثها : قوله : ( { وترى الناس سكارى } ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرئ " وترى " بالضم ، تقول : أريتك قائما أو رأيتك قائما ، والناس بالنصب والرفع ، أما النصب فظاهر ، وأما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ما لم يسم فاعله وأنثه على تأويل الجماعة ، وقرئ سكرى وسكارى ، وهو نظير جوعى وعطشى في جوعان وعطشان ، سكارى وسكارى نحو كسالى وعجالى ، وعن الأعمش : سكرى وسكرى بالضم وهو غريب .

المسألة الثانية : المعنى وتراهم سكارى على التشبيه ( { وما هم بسكارى } ) على التحقيق ، ولكن ما أرهقهم من هول عذاب الله تعالى هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم ، وقال ابن عباس والحسن : ونراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب ، فإن قلت : لم قيل أولا ترون ، ثم قيل : ترى على الإفراد ؟ قلنا : لأن الرؤية أولا علقت بالزلزلة ، فجعل الناس جميعا رائين لها ، وهي معلقة آخرا بكون الناس على حال من السكر ، فلا بد وأن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم .

المسألة الثالثة : إن قيل : أتقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل النار خاصة ؟ قلنا : قال قوم : إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار ، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون . وقيل : بل يحصل للكل ؛ لأنه سبحانه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، وليس لأحد عليه حق .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 23-23 , الصفحة 3 - 5
counter free hit invisible