<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين } ( 112 ) { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين } ( 113 ) { قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون } ( 114 ) { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( 115 ) { فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } ( 116 ) ) .

يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده ، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ، ( { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين } ) أي : كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ ( { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين } ) أي : الحاسبين

( { قال إن لبثتم إلا قليلا } ) أي : مدة يسيرة على كل تقدير ( { لو أنكم كنتم تعلمون } ) أي : لما آثرتم الفاني على الباقي ، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيئ ، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة ، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن الوزير ، حدثنا الوليد ، حدثنا صفوان ، عن أيفع بن عبد الكلاعي; أنه سمعه يخطب الناس فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، قال : يا أهل الجنة ، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم . قال : لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم : رحمتي ورضواني وجنتي ، امكثوا فيها خالدين مخلدين؟ ثم يقول : يا أهل النار ، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم . فيقول : بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم : ناري وسخطي ، امكثوا فيها خالدين مخلدين " . )

وقوله : ( { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ) أي : أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا ، ( { وأنكم إلينا لا ترجعون } ) أي : لا تعودون في الدار الآخرة ، كما قال : ( { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } ) [ القيامة : 36 ] ، يعني هملا .

وقوله : ( { فتعالى الله الملك الحق } ) أي : تقدس أن يخلق شيئا عبثا ، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك ، ( { لا إله إلا هو رب العرش الكريم } ) ، فذكر العرش; لأنه سقف جميع المخلوقات ، ووصفه بأنه كريم ، أي : حسن المنظر بهي الشكل ، كما قال تعالى : ( { فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } ) [ لقمان : 10 ] .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا إسحاق بن سليمان شيخ من أهل العراق أنبأنا شعيب بن صفوان ، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال : كان آخر خطبة خطب عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإنكم لم تخلقوا عبثا ، ولن تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه ، وباع نافدا بباق ، وقليلا بكثير ، وخوفا بأمان ، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين ، وسيكون من بعدكم الباقين ، حتى تردون إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل ، قد قضى نحبه ، وانقضى أجله ، حتى تغيبوه في صدع من الأرض ، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد ، قد فارق الأحباب وباشر التراب ، وواجه الحساب ، مرتهن بعمله ، غني عما ترك ، فقير إلى ما قدم . فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه ، ونزول الموت بكم ثم جعل طرف ردائه على وجهه ، فبكى وأبكى من حوله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يحيى بن نصر الخولاني ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن أبي هبيرة عن حنش بن عبد الله; ( أن رجلا مصابا مر به عبد الله بن مسعود ، فقرأ في أذنه هذه الآية : ( { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق } ) ، حتى ختم السورة فبرأ ، [ فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بماذا قرأت في أذنه؟ " فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال " . )

وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبيه قال : ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا : ( { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ) ، قال : فقرأناها فغنمنا وسلمنا ) .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي ، حدثنا أبو المسيب سلمة بن سلام ، حدثنا بكر بن خنيس ، عن نهشل بن سعيد ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن : بسم الله الملك الحق ، ( { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ) [ الزمر : 67 ] ، ( { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } ) [ هود : 41 ] . )
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 5-5 , الصفحة 500 - 501
counter free hit invisible