<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عبد الله بن السائب قال : ( صلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بمكة الصبح فاستفتح سورة المؤمنين ، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون ، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع ) .

وأخرج البيهقي من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : ( لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي ، فقالت : قد أفلح المؤمنون ) . وأخرجه أيضا ابن عدي والحاكم . وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه من حديث ابن عباس مثله .

وقد ورد فضائل العشر الآيات من أول هذه السورة ما سيأتي قريبا .

بسم الله الرحمن الرحيم . { قد أفلح المؤمنون } ( 1 ) { الذين هم في صلاتهم خاشعون } ( 2 ) { والذين هم عن اللغو معرضون } ( 3 ) { والذين هم للزكاة فاعلون } ( 4 ) { والذين هم لفروجهم حافظون } ( 5 ) { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } ( 6 ) { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } ( 7 ) { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } ( 8 ) { والذين هم على صلواتهم يحافظون } ( 9 ) { أولئك هم الوارثون } ( 10 ) { الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } ( 11 ) . قوله : { قد أفلح المؤمنون } قال الفراء : قد هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين ، ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال ؛ لأن ( قد ) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه ، ألا تراهم يقولون : قد قامت الصلاة قبل حال قيامها ، ويكون المعنى في الآية أن الفلاح قد حصل لهم ، وأنهم عليه في الحال ، والفلاح الظفر بالمراد والنجاة من المكروه ، وقيل : البقاء في الخير ، وأفلح إذا دخل في الفلاح ، ويقال أفلحه : إذا أصاره إلى الفلاح ، وقد تقدم بيان معنى الفلاح في أول البقرة .

وقرأ طلحة بن مصرف ( قد أفلح ) بضم الهمزة وبناء الفعل للمفعول .

وروي عنه أنه قرأ ( أفلحوا المؤمنون ) على الإبهام والتفسير ، أو على لغة أكلوني البراغيث .

ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله : { الذين هم في صلاتهم خاشعون } وما عطف عليه ، والخشوع : منهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث ، وهو في اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل .

وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ؟ على قولين : قيل الصحيح الأول ، وقيل : الثاني .

وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته ، حكاه النيسابوري في تفسيره .

قال : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن } [ النساء : 82 ] والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى ، وكذا قوله : أقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] والغفلة تضاد الذكر ، ولهذا قال : { ولا تكن من الغافلين } [ الأعراف : 205 ] وقوله : { حتى تعلموا ما تقولون } [ النساء : 43 ] نهي للسكران ، والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته .

واللغو ، قال الزجاج : هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول والفعل ، وقد تقدم تفسيره في البقرة .

وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك .

وقال الحسن : إنه المعاصي كلها .

ومعنى إعراضهم عنه : تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه ، وظاهره اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات ، فيدخل وقت الصلاة في ذلك دخولا أوليا كما تفيده الجملة الاسمية ، وبناء الحكم على الضمير .

ومعنى فعلهم للزكاة تأديتهم لها ، فعبر عن التأدية بالفعل ؛ لأنها مما يصدق عليه الفعل ، والمراد بالزكاة هنا المصدر ؛ لأنه الصادر عن الفاعل .

وقيل : يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف أي : والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون { والذين هم لفروجهم حافظون } الفرج يطلق على فرج الرجل والمرأة ، ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم . قيل والمراد هنا الرجال خاصة دون النساء بدليل قوله : { إلا على أزواجهم } { أو ما ملكت أيمانهم } للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه .

قال الفراء : إن ( على ) في قوله : { إلا على أزواجهم } بمعنى من . وقال الزجاج : المعنى أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم فأمروا بحفظه إلا على أزواجهم ودل على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية ، والجملة في محل نصب على الحال ، وقيل : إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ أي : لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم .

وقيل : المعنى : إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهم ، من قولهم كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان .

والمعنى : أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم ، وجملة { أو ما ملكت أيمانهم } في محل جر عطفا على أزواجهم ، وما مصدرية ، والمراد بذلك الإماء ، وعبر عنهن بما التي لغير العقلاء ؛ لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبثة عن قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهن كسائر السلع ، فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء ، وجملة { فإنهم غير ملومين } تعليل لما تقدم مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه .

{ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } الإشارة إلى الزوجات وملك اليمين ، ومعنى العادون : المجاوزون إلى ما لا يحل لهم ، فسمى سبحانه من نكح ما لا يحل عاديا ، ووراء هنا بمعنى سوى وهو مفعول ابتغى .

قال الزجاج أي : فمن ابتغى ما بعد ذلك ، فمفعول الابتغاء محذوف ، ووراء ظرف . وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة ، واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ذكر ، وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها ( بلوغ المنى في حكم الاستمنا ) ، وذكرنا فيها أدلة المنع والجواز وترجيح الراجح منهما .

{ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } قرأ الجمهور ( لأماناتهم ) بالجمع . وقرأ ابن كثير بالإفراد . والأمانة ما يؤتمنون عليه ، والعهد ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه أو جهة عباده ، وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا ، والأمانة أعم من العهد ، فكل عهد أمانة ، ومعنى راعون : حافظون .

{ والذين هم على صلواتهم يحافظون } قرأ الجمهور ( صلواتهم ) بالجمع .

وقرأ حمزة والكسائي ( صلاتهم ) بالإفراد ، ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم الجنس وهو في معنى الجمع والمحافظة على الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها .

ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال : { أولئك هم الوارثون } أي الأحقاء بأن يسموا بهذا الاسم دون غيرهم .

ثم بين الموروث بقوله : { الذين يرثون الفردوس } وهو أوسط الجنة ، كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - .

والمعنى : أن من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان ، وفيه استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم .

وقيل : المعنى : أنهم يرثون من الكفار منازلهم حيث فرقوها على أنفسهم ؛ لأنه سبحانه خلق لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار .

ولفظ الفردوس لغة رومية معربة ، وقيل : فارسية ، وقيل : حبشية ، وقيل : هي عربية ، وجملة { هم فيها خالدون } في محل نصب على الحال المقدرة ، أو مستأنفة لا محل لها ، ومعنى الخلود أنهم يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها ، وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى الفردوس ؛ لأنه بمعنى الجنة .

وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن المنذر ، والعقيلي والحاكم وصححه ، والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة ، عن عمر بن الخطاب قال : ( كان إذا أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل ، فأنزل الله عليه يوما فمكثنا ساعة ، فسري عنه فاستقبل القبلة فقال : اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، ثم قال : لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ، ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم العشر ) وفي إسناده يونس بن سليم الأيلي .

قال النسائي : لا نعرف أحدا رواه عن ابن شهاب إلا يونس بن سليم ويونس لا نعرفه .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة : كيف كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ قالت : كان خلقه القرآن ، ثم قالت : تقرأ سورة المؤمنين ؟ فقرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى بلغ العشر ، فقالت : هكذا كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقي في سننه عن محمد بن سيرين قال : نبئت أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء ، فنزلت { الذين هم في صلاتهم خاشعون } .

وأخرجه عبد الرزاق عنه ، وزاد : فأمره بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده .

وأخرجه عنه أيضا عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن بلفظ : كان إذا قام في الصلاة نظر هكذا وهكذا ، يمينا وشمالا ، فنزلت { الذين هم في صلاتهم خاشعون } فحنى رأسه . وروي عنه من طرق مرسلا هكذا .

وأخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عنه عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء ، فنزلت { الذين هم في صلاتهم خاشعون } فطأطأ رأسه .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين بلفظ : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يرفعون رءوسهم وأبصارهم إلى السماء في الصلاة ويلتفتون يمينا وشمالا ، فأنزل الله { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون } فمالوا برءوسهم فلم يرفعوا أبصارهم بعد ذلك في الصلاة ، ولم يلتفتوا يمينا وشمالا .

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي أنه سئل عن قوله : { الذين هم في صلاتهم خاشعون } قال : الخشوع في القلب وأن تلين كتفك للمرء المسلم ، وأن لا تلتفت في صلاتك .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { الذين هم في صلاتهم خاشعون } قال : خائفون ساكنون .

وقد ورد في مشروعية الخشوع في الصلاة والنهي عن الالتفات وعن رفع البصر إلى السماء أحاديث معروفة في كتب الحديث .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { والذين هم عن اللغو معرضون } قال : الباطل .

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه عن القاسم بن محمد : أنه سئل عن المتعة فقال : إني لأرى تحريمها في القرآن ، ثم تلا { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن مسعود أنه قيل له : إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن { الذين هم على صلاتهم دائمون } [ المعارج : 23 ] .

{ والذين هم على صلواتهم يحافظون } قال : ذلك على مواقيتها ، قالوا ما كنا نرى ذلك إلا على تركها ، قال : تركها كفر .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة في قوله : { أولئك هم الوارثون } قال : يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله .

وأخرج سعيد بن منصور وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( ما منكم من أحد إلا وله منزلان : منزل في الجنة ، ومنزل في النار ، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله ، فذلك قوله : { أولئك هم الوارثون } ) .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وقال حسن صحيح غريب عن أنس ، فذكر قصة ، وفيها أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها ) ، ويدل على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى : { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا } [ مريم : 63 ] وقوله : { تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } [ الأعراف : 43 ] ، ويشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال ، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى ) .

وفي لفظ له قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا ، فيقول هذا فكاكك من النار ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 977 - 979
counter free hit invisible