<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

تفسير سورة النور بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون } ( 1 ) )

قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : ( { سورة أنزلناها } ) وهذه السورة أنزلناها . وإنما قلنا معنى ذلك كذلك ; لأن العرب لا تكاد تبتدئ بالنكرات قبل أخبارها إذا لم تكن جوابا ، لأنها توصل كما يوصل الذي ، ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة ، فيستقبح الابتداء بها قبل الخبر إذا لم تكن موصولة ، إذ كان يصير خبرها إذا ابتدئ بها كالصلة لها ، ويصير السامع خبرها كالمتوقع خبرها ، بعد إذ كان الخبر عنها بعدها ، كالصلة لها ، وإذا ابتدئ بالخبر عنها قبلها لم يدخل الشك على سامع الكلام في مراد المتكلم . وقد بينا فيما مضى قبل ، أن السورة وصف لما ارتفع بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .

وأما قوله : ( وفرضناها ) فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأه بعض قراء الحجاز والبصرة : " وفرضناها " ويتأولونه : وفصلناها ونزلنا فيها فرائض مختلفة . وكذلك كان مجاهد يقرؤه ويتأوله .

حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا ابن مهدي ، عن عبد الوارث بن سعيد ، عن حميد ، عن مجاهد ، أنه كان يقرؤها : " وفرضناها " يعني بالتشديد .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : " وفرضناها " قال : الأمر بالحلال ، والنهي عن الحرام .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقد يحتمل ذلك إذا قرئ بالتشديد وجها غير الذي ذكرنا عن مجاهد ، وهو أن يوجه إلى أن معناه : وفرضناها عليكم وعلى من بعدكم من الناس إلى قيام الساعة . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة والشأم ( وفرضناها ) بتخفيف الراء ، بمعنى : أوجبنا ما فيها من الأحكام عليكم ، وألزمناكموه وبينا ذلك لكم .

والصواب من القول في ذلك ، أنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وذلك أن الله قد فصلها ، وأنزل فيها ضروبا من الأحكام ، وأمر فيها ونهى ، وفرض على عباده فيها فرائض ، ففيها المعنيان كلاهما : التفريض ، والفرض ، فلذلك قلنا بأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب .

ذكر من تأول ذلك بمعنى الفرض ، والبيان من أهل التأويل .

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( وفرضناها ) يقول : بيناها .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( { سورة أنزلناها وفرضناها } ) قال : فرضناها لهذا الذي يتلوها مما فرض فيها ، وقرأ فيها : ( { آيات بينات لعلكم تذكرون } ) .

وقوله : ( { وأنزلنا فيها آيات بينات } ) يقول تعالى ذكره : وأنزلنا في هذه السورة علامات ودلالات على الحق بينات ، يعني واضحات لمن تأملها وفكر فيها بعقل أنها من عند الله ، فإنها الحق المبين ، وإنها تهدي إلى الصراط المستقيم .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : ( { وأنزلنا فيها آيات بينات } ) قال : الحلال والحرام والحدود ( لعلكم تذكرون ) يقول : لتتذكروا بهذه الآيات البينات التي أنزلناها .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 19-19 , الصفحة 86 - 90
counter free hit invisible