<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( 7 ) { أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ( 8 ) { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } ( 9 ) { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا } ( 10 ) { بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } ( 11 ) { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ( 12 ) { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا } ( 13 ) { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } ( 14 ) ) . يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم ، وإنما تعللوا بقولهم : ( { مال هذا الرسول يأكل الطعام } ) ، يعنون : كما نأكله ، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه ، ( { ويمشي في الأسواق } ) أي : يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة ، ( { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ) يقولون : هلا أنزل إليه ملك من عند الله ، فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون : ( { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين } ) [ الزخرف : 53 ] . وكذلك قال هؤلاء على السواء ، تشابهت قلوبهم; ولهذا قال : ( { أو يلقى إليه كنز } ) أي : علم كنز [ يكون ] ينفق منه ، ( { أو تكون له جنة يأكل منها } ) أي : تسير معه حيث سار . وهذا كله سهل يسير على الله ، ولكن له الحكمة في ترك ذلك ، وله الحجة البالغة ( { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ) .

قال الله تعالى : ( { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ) أي : جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك ، من قولهم " ساحر ، مسحور ، مجنون ، كذاب ، شاعر " وكلها أقوال باطلة ، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك; ولهذا قال : ( فضلوا ) أي : عن طريق الهدى ، ( { فلا يستطيعون سبيلا } ) وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه; لأن الحق واحد ومنهج متحد ، يصدق بعضه بعضا .

ثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه لو شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن ، فقال [ تعالى ] ( { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا } ) .

قال مجاهد : يعني : في الدنيا ، قال : وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا ، سواء كان كبيرا أو صغيرا .

وقال سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن خيثمة ; ( قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ، ولا يعطى أحد من بعدك ، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال : اجمعوها لي في الآخرة ، فأنزل الله عز وجل في ذلك : ( { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا } ) ) .

وقوله : ( { بل كذبوا بالساعة } ) أي : إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيبا وعنادا ، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا ، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال ، ( وأعتدنا ) أي : وأرصدنا ( { لمن كذب بالساعة سعيرا } ) أي : عذابا أليما حارا لا يطاق في نار جهنم .

وقال الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير : " السعير " : واد من قيح جهنم .

وقوله : ( { إذا رأتهم } ) أي : جهنم ( { من مكان بعيد } ) يعني : في مقام المحشر . قال السدي : من مسيرة مائة عام ( { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ) أي : حنقا عليهم ، كما قال تعالى : ( { إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ } ) [ الملك : 7 ، 8 ] أي : يكاد ينفصل بعضها من بعض; من شدة غيظها على من كفر بالله .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا إدريس بن حاتم بن الأخيف الواسطي : أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي ، عن أصبغ بن زيد ، عن خالد بن كثير ، عن خالد بن دريك ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " من يقل علي ما لم أقل ، أو ادعى إلى غير والديه ، أو انتمى إلى غير مواليه ، فليتبوأ [ مقعده من النار " . وفي رواية : " فليتبوأ ] بين عيني جهنم مقعدا " قيل : يا رسول الله ، وهل لها من عينين؟ قال : " أما سمعتم الله يقول : ( إذا رأتهم من مكان بعيد ) ) الآية .

ورواه ابن جرير ، عن محمد بن خداش ، عن محمد بن يزيد الواسطي ، به .

وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عيسى بن سليم ، عن أبي وائل قال : خرجنا مع عبد الله - يعني : ابن مسعود - ومعنا الربيع بن خثيم فمروا على حداد ، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار ، ونظر الربيع بن خثيم إليها فتمايل ليسقط ، فمر عبد الله على أتون على شاطئ الفرات ، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية : ( { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ) فصعق - يعني : الربيع بن خثيم - فحملوه إلى أهل بيته ورابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق ، رضي الله عنه .

وحدثنا أبي : حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إن العبد ليجر إلى النار ، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير ، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف .

هكذا رواه ابن أبي حاتم مختصرا ، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير :

حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إن الرجل ليجر إلى النار ، فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض ، فيقول لها الرحمن : ما لك؟ قالت : إنه يستجير مني . فيقول : أرسلوا عبدي . وإن الرجل ليجر إلى النار ، فيقول : يا رب ، ما كان هذا الظن بك؟ فيقول : فما كان ظنك؟ فيقول : أن تسعني رحمتك . فيقول : أرسلوا عبدي ، وإن الرجل ليجر إلى النار ، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير ، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف . وهذا إسناد صحيح .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبيد بن عمير في قوله : ( { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ) قال : إن جهنم تزفر زفرة ، لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر ترعد فرائصه ، حتى إن إبراهيم عليه السلام ، ليجثو على ركبتيه ويقول : رب ، لا أسألك اليوم إلا نفسي .

وقوله : ( { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا } ) قال قتادة ، عن أبي أيوب ، عن عبد الله بن عمرو قال : مثل الزج في الرمح أي : من ضيقه .

وقال عبد الله بن وهب : أخبرني نافع بن يزيد ، عن يحيى بن أبي أسيد - يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن قول الله ( { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين } ) قال : ( " والذي نفسي بيده ، إنهم ليستكرهون في النار ، كما يستكره الوتد في الحائط " ) .

وقوله ( { مقرنين } ) قال أبو صالح : يعني مكتفين : ( { دعوا هنالك ثبورا } ) أي : بالويل والحسرة والخيبة . ( { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد عن أنس بن مالك; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( " أول من يكسى حلة من النار إبليس ، فيضعها على حاجبيه ، ويسحبها من خلفه ، وذريته من بعده ، وهو ينادي : يا ثبوراه ، وينادون : يا ثبورهم . حتى يقفوا على النار ، فيقول : يا ثبوراه . ويقولون : يا ثبورهم . فيقال لهم : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ، وادعوا ثبورا كثيرا " ) .

لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ورواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن سنان ، عن عفان ، به : ورواه ابن جرير ، من حديث حماد بن سلمة به .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } ) أي : لا تدعوا اليوم ويلا واحدا ، وادعوا ويلا كثيرا .

وقال الضحاك : الثبور : الهلاك .

والأظهر : أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار ، كما قال موسى لفرعون : ( { وإني لأظنك يافرعون مثبورا } ) [ الإسراء : 102 ] أي : هالكا . وقال عبد الله بن الزبعرى : إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ي ، ومن مال ميله مثبور
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 6-6 , الصفحة 95 - 98
counter free hit invisible