<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشعراء

هي مكية في قول الجمهور . وقال مقاتل : منها مدني ; الآية التي يذكر فيها الشعراء ، وقوله : { أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } . وقال ابن عباس وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله : { والشعراء يتبعهم الغاوون } إلى آخرها . وهي مائتان وسبع وعشرون آية . وفي رواية : ست وعشرون . وعن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت ( طه ) و ( طسم ) من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة ) . وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني المبين مكان الإنجيل وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي ) . قوله تعالى : { طسم } { تلك آيات الكتاب المبين } { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . قوله تعالى : طسم قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي وخلف : بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها . وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري : بين اللفظين ; واختاره أبو عبيد وأبو حاتم . وقرأ الباقون بالفتح مشبعا . قال الثعلبي : وهي كلها لغات فصيحة . وقد مضى في ( طه ) قول النحاس في هذا . قال النحاس : وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي : " طسم " بإدغام النون في الميم ، والفراء يقول بإخفاء النون . وقرأ الأعمش : وحمزة : ( طسين ميم ) بإظهار النون . قال النحاس : للنون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه : يبينان عند حروف الحلق ، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء ، ويقلبان ميما عند الباء ويكونان من الخياشيم ; أي لا يبينان ; فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة ; لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبين النون عنده ، ولكن في ذلك وجيه : وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها ، فإذا وقف عليها تبينت النون . قال الثعلبي : الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن ، وإنما أظهرها أولئك للتبيين والتمكين ، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم . قال النحاس : وحكى أبو إسحاق في كتابه ; فيما يجرى وفيما لا يجرى أنه يجوز أن يقال : ( طسين ميم ) بفتح النون وضم الميم ، كما يقال هذا معدي كرب . وقال أبو حاتم : قرأ خالد : ( طسين ميم ) . ابن عباس : { طسم } قسم وهو اسم من أسماء الله تعالى ، والمقسم عليه : { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } . وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن أقسم الله به . مجاهد : هو اسم السورة ; ويحسن افتتاح السورة . الربيع : حساب مدة قوم . وقيل : قارعة تحل بقوم . طسم و طس واحد . قال المتنبي : وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه

وقال القرظي : أقسم الله بطوله وسنائه وملكه . وقال عبد الله بن محمد بن عقيل : الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة . وقال جعفر بن محمد بن علي : الطاء شجرة طوبى ، والسين سدرة المنتهى ، والميم محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : الطاء من الطاهر والسين من القدوس . وقيل : من السميع وقيل : من السلام - والميم من المجيد . وقيل : من الرحيم . وقيل : من الملك . وقد مضى هذا المعنى في أول سورة ( البقرة ) . والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس . وأنشد أبو عبيدة : وبالطواسيم التي قد ثلثت وبالحواميم التي قد سبعت قال الجوهري : والصواب أن تجمع ب " ذوات " وتضاف إلى واحد ، فيقال : ذوات طسم وذوات حم .

قوله تعالى : { تلك آيات الكتاب المبين } رفع على إضمار مبتدأ أي هذه { تلك آيات الكتاب المبين } التي كنتم وعدتم بها ; لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن . وقيل : تلك بمعنى هذه . { لعلك باخع نفسك } أي قاتل نفسك ومهلكها . وقد مضى في الكهف بيانه . { ألا يكونوا مؤمنين } أي لتركهم الإيمان . قال الفراء : ( أن ) في موضع نصب ; لأنها جزاء . قال النحاس : وإنما يقال : " بإن " مكسورة لأنها جزاء ; كذا المتعارف . والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه في القرآن ; قال : ( أن ) في موضع نصب مفعول من أجله ; والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان . { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } أي معجزة ظاهرة وقدرة باهرة فتصير معارفهم ضرورية ، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية . وقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية : بلغني أن لهذه الآية صوتا يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان ; تخرج به العواتق من البيوت وتضج له الأرض . وهذا فيه بعد ; لأن المراد قريش لا غيرهم . { فظلت أعناقهم لها خاضعين } أي فتظل أعناقهم لها خاضعين قال مجاهد : أعناقهم كبراؤهم ، وقال النحاس : ومعروف في اللغة ; يقال : جاءني عنق من الناس أي رؤساء منهم . أبو زيد والأخفش : أعناقهم جماعاتهم ; يقال : جاءني عنق من الناس أي جماعة . وقيل : إنما أراد أصحاب الأعناق ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . قتادة : المعنى لو شاء لأنزل آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية . ابن عباس : نزلت فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد معاوية ; ذكره الثعلبي والغزنوي فالله أعلم . وخاضعين وخاضعة هنا سواء ; قاله عيسى بن عمر واختاره المبرد . والمعنى : إنهم إذا ذلت رقابهم ذلوا ; فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها . ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني ; قال الراجز : طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي

فأخبر عن الليالي وترك الطول . وقال جرير : أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال

وإنما جاز ذلك لأنه لو أسقط " مر " و " طول " من الكلام لم يفسد معناه ; فكذلك رد الفعل إلى الكناية في قوله : { فظلت أعناقهم } لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام ، ولأدى ما بقي من الكلام عنه حتى يقول : فظلوا لها خاضعين . وعلى هذا اعتمد الفراء وأبو عبيدة . . والكسائي يذهب إلى أن المعنى : خاضعيها هم ، وهذا خطأ عند البصريين والفراء . ومثل هذا الحذف لا يقع في شيء من الكلام ; قاله النحاس . قوله تعالى : { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } تقدم في ( الأنبياء ) فقد كذبوا أي أعرضوا ومن أعرض عن شيء ولم يقبله فهو تكذيب له . { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } وعيد لهم ; أي فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا والذي استهزءوا به .

قوله تعالى : { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } نبه على عظمته وقدرته وأنهم لو رأوا بقلوبهم ونظروا ببصائرهم لعلموا أنه الذي يستحق أن يعبد ; إذ هو القادر على كل شيء . والزوج هو اللون ; قاله الفراء . و ( كريم ) حسن شريف ، وأصل الكرم في اللغة الشرف والفضل ، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر ، ورجل كريم شريف : فاضل صفوح . ونبتت الأرض وأنبتت بمعنى . وقد تقدم في سورة ( البقرة ) والله سبحانه هو المخرج والمنبت له . وروي عن الشعبي أنه قال : الناس من نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم ، ومن صار إلى النار فهو لئيم . { إن في ذلك لآية } أي فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالته على أن الله قادر ، لا يعجزه شيء . { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي مصدقين لما سبق من علمي فيهم . و " كان " هنا صلة في قول سيبويه ; تقديره : وما أكثرهم مؤمنين . { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } يريد المنيع المنتقم من أعدائه ، الرحيم بأوليائه .
الكتاب تفسير القرطبي , الجزء 13-13 , الصفحة 84 - 87
counter free hit invisible