<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وهي مكية عند الجمهور ، وكذا أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ، وابن الزبير . وأخرج النحاس عن ابن عباس قال : سورة الشعراء أنزلت بمكة سوى خمس آيات من آخرها نزلت بالمدينة ، وهي { والشعراء يتبعهم الغاوون } [ الشعراء : 224 ] إلى آخرها .

وأخرج الطبراني في تفسيره عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ، وأعطاني الطواسين مكان الزبور ، وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي ) .

وأخرج أيضا عن ابن عباس قال : قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم : ( أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول ، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش ، وأعطيت المفصل نافلة ) .

قال ابن كثير في تفسيره : ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها بسورة الجمعة .

بسم الله الرحمن الرحيم { طسم } { تلك آيات الكتاب المبين } { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } { وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } { قوم فرعون ألا يتقون } { قال رب إني أخاف أن يكذبون } { ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون } { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } { قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون } { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } { أن أرسل معنا بني إسرائيل } { قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } { قال فعلتها إذا وأنا من الضالين } { ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين } { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل }

قوله : 1 " طسم " قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ، وأبو بكر والمفضل ، وحمزة والكسائي وخلف بإمالة الطاء ، وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري بين اللفظين ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ، وقرأ الباقون بالفتح مشبعا .

وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإدغام النون من : " طسن " في الميم ، وقرأ الأعمش ، وحمزة بإظهارها .

قال الثعلبي : الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم .

قال النحاس : وحكى الزجاج في كتابه فيما يجري وما لا يجري أنه يجوز أن يقال : ( طا سين ميم ) بفتح النون ، وضم الميم ، كما يقال : هذا معدي كرب .

وقرأ عيسى ويروى عن نافع بكسر الميم على البناء .

وفي مصحف عبد الله بن مسعود ( ط س م ) هكذا حروفا مقطعة فيوقف على كل حرف وقفة يتميز بها عن غيره ، وكذلك قرأ أبو جعفر ومحله الرفع على الابتداء إن كان اسما للسورة كما ذهب إليه الأكثر أو على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز أن يكون في محل نصب بتقدير : اذكر أو اقرأ .

وأما إذا كان مسرودا على نمط التعديد كما تقدم في غير موضع من هذا التفسير فلا محل له من الإعراب .

وقد قيل : إنه اسم من أسماء الله - سبحانه ، وقيل : اسم من أسماء القرآن ، والإشارة بقوله : { تلك آيات الكتاب المبين } إلى السورة ، ومحلها الرفع على أنها وما بعدها خبر للمبتدأ إن جعلنا ( طسم ) مبتدأ ، وإن جعلناه خبرا لمبتدأ محذوف فمحلها الرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو بدل من ( طسم ) ، والمراد بالكتاب هنا القرآن ، والمبين : المبين المظهر ، أو البين الظاهر إن كان من أبان بمعنى بان .

{ لعلك باخع نفسك } أي : قاتل نفسك ومهلكها { ألا يكونوا مؤمنين } أي : لعدم إيمانهم بما جئت به ، والبخع في الأصل أن يبلغ بالذبح النخاع بالنون قاموس ، وهو عرق في القفا ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف ، وقرأ قتادة " باخع نفسك " بالإضافة ، وقرأ الباقون بالقطع قال : الفراء ( أن ) في قوله : { ألا يكونوا مؤمنين } في موضع نصب لأنها جزاء ، قال النحاس : وإنما يقال : ( إن ) مكسورة لأنها جزء ، هكذا التعارف ، والقول في هذا ما قاله الزجاج في كتابه في القرآن إنها في موضع نصب مفعول لأجله ، والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان ، وفي هذا تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لأنه كان حريصا على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم ، وجملة { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية ، والمعنى : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان ، ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك ، ومعنى { فظلت أعناقهم لها خاضعين } أنهم صاروا منقادين لها : أي : فتظل أعناقهم إلخ ، قيل : وأصله فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير والتصوير ; لأن الأعناق موضع الخضوع ، وقيل : إنها لما وضعت الأعناق موضع الخضوع ، وقيل : إنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم ووصفت بما يوصفون به .

قال عيسى بن عمر : ( خاضعين ) ، و ( خاضعة ) هنا سواء ، واختاره المبرد ، والمعنى : أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا ، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها ، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ، ويخبر عن الثاني ، ومنه قول الراجز : طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي

فأخبر عن الليالي وترك الطول ، ومنه قول جرير : أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال

وقال أبو عبيد والكسائي : إن المعنى خاضعيها هم ، وضعفه النحاس ، وقال مجاهد : أعناقهم كبراؤهم .

قال النحاس : وهذا معروف في اللغة ، يقال : جاءني عنق من الناس أي : رؤساء منهم .

وقال أبو زيد والأخفش : أعناقهم جماعاتهم ، يقال : جاءني عنق من الناس : أي : جماعة .

{ وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } بين - سبحانه - أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين إلى الإيمان يأتيهم بالقرآن حالا بعد حال ، وأن لا يجدد لهم موعظة وتذكيرا إلا جددوا ما هو نقيض المقصود ، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، و " من " في من ذكر مزيدة لتأكيد العموم ، ومن في من ربهم لابتداء الغاية ، والاستثناء مفرغ من أعم العام ، محله النصب على الحالية من مفعول ( يأتيهم ) ، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء .

{ فقد كذبوا } أي : بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا صريحا ولم يكتفوا بمجرد الإعراض ، وقيل : إن الإعراض بمعنى التكذيب ، لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله فقد كذبه ، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح ، والأول أولى ، فالإعراض عن الشيء عدم الالتفات إليه ، ثم انتقلوا عن هذا إلى ما هو أشد منه وهو التصريح بالتكذيب ، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشد منه ، وهو الاستهزاء كما يدل عليه قوله : { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } والأنباء هي ما يستحقونه من العقوبة آجلا وعاجلا ، وسميت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن وقال { ما كانوا به يستهزئون } ، ولم يقل ما كانوا عنه معرضين ، أو ما كانوا به يكذبون ، لأن الاستهزاء أشد منهما ومستلزم لهما ، وفي هذا وعيد شديد ، وقد مر تفسير مثل هذا في سورة الأنعام .

ثم ذكر - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته من الأمور الحسية التي يحصل بها للمتأمل فيها والناظر إليها والمستدل بها أعظم دليل وأوضح برهان ، فقال : { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } الهمزة للتوبيخ ، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره ، فنبه - سبحانه - على عظمته وقدرته ، وأن هؤلاء المكذبين المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه - سبحانه - الذي يستحق أن يعبد ، والمراد بالزوج هنا الصنف .

وقال الفراء : هو اللون ، وقال الزجاج : معنى زوج : نوع ، وكريم : محمود ، والمعنى : من كل زوج نافع لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين ، والكريم في الأصل : الحسن الشريف ، يقال : نخلة كريمة : أي : كثيرة الثمرة ، ورجل كريم : شريف فاضل ، وكتاب كريم : إذا كان مرضيا في معانيه ، والنبات الكريم هو المرضي في منافعه .

قال الشعبي : الناس مثل نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم ، ومن صار منهم إلى النار فهو لئيم .

والإشارة بقوله : { إن في ذلك لآية } إلى المذكور قبله : أي : إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة بينة ، وعلامة واضحة على كمال قدرة الله - سبحانه - وبديع صنعته .

ثم أخبر - سبحانه - بأن أكثر هؤلاء مستمر على ضلالته مصمم على جحوده وتكذيبه واستهزائه فقال : { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي : سبق علمي فيهم أنهم سيكونون هكذا .

وقال سيبويه : إن ( كان ) هنا صلة .

{ وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي : الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم مع كونه كثير الرحمة ، ولذلك أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ، أو المعنى : أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه .

وجملة { وإذ نادى ربك موسى } إلخ مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، والعامل في الظرف محذوف تقديره : واتل إذ نادى أو اذكر ، والنداء ، الدعاء ، و ( أن ) في قوله : { أن ائت القوم الظالمين } يجوز أن تكون مفسرة ، وأن تكون مصدرية ، ووصفهم بالظلم لأنهم جمعوا بين الكفر الذي ظلموا به أنفسهم وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم كاستعباد بني إسرائيل ، وذبح أبنائهم .

وانتصاب { قوم فرعون } على أنه بدل ، أو عطف بيان من القوم الظالمين ، ومعنى { ألا يتقون } ألا يخافون عقاب الله - سبحانه - فيصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته .

وقيل المعنى : قل لهم ألا تتقون ، وجاء بالياء التحتية لأنهم غيب وقت الخطاب ، وقرأ عبيد بن عمير وأبو حازم " ألا تتقون " بالفوقية ، أي : قل لهم ذلك ، ومثله { قل للذين كفروا ستغلبون } [ آل عمران : 12 ] بالتحتية والفوقية .

{ قال رب إني أخاف أن يكذبون } أي : قال موسى هذه المقالة ، والمعنى : أخاف أن يكذبوني في الرسالة { ويضيق صدري ولا ينطلق لساني } معطوفان على أخاف أي : يضيق صدري لتكذيبهم إياي ، ولا ينطلق لساني بتأدية الرسالة .

قرأ الجمهور برفع { يضيق } { ولا ينطلق } بالعطف على أخاف كما ذكرنا ، أو على الاستئناف ، وقرأ يعقوب ، وعيسى بن عمر ، وأبو حيوة بنصبهما عطفا على ( يكذبون ) قال الفراء : كلا القراءتين له وجه ، قال النحاس الوجه : الرفع ، لأن النصب عطف على ( يكذبون ) وهذا بعيد .

{ فأرسل إلى هارون } أي : أرسل إليه جبريل بالوحي ليكون معي رسولا موازرا مظاهرا معاونا ، ولم يذكر الموازرة هنا لأنها معلومة من غير هذا الموضع كقوله في طه { واجعل لي وزيرا } [ طه : 29 ] ، وفي القصص { فأرسله معي ردءا يصدقني } [ القصص : 34 ] ، وهذا من موسى - عليه السلام - من باب طلب المعاونة له بإرسال أخيه ، لا من باب الاستعفاء من الرسالة ، ولا من التوقف عن المسارعة بالامتثال .

{ ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } الذنب هو قتله للقبطي ، وسماه ذنبا بحسب زعمهم ، فخاف موسى أن يقتلوه به ، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء ، ثم أجابه - سبحانه - بما يشتمل على نوع من الردع وطرف من الزجر .

{ قال كلا فاذهبا بآياتنا } وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما كأنه قال : ارتدع يا موسى عن ذلك واذهب أنت ومن استدعيته ولا تخف من القبط { إنا معكم مستمعون } وفي هذا تعليل للردع عن الخوف ، وهو كقوله - سبحانه : { إنني معكما أسمع وأرى } [ طه : 46 ] وأراد بذلك - سبحانه - تقوية قلوبهما وأنه متول لحفظهما وكلاءتهما وأجراهما مجرى الجمع ، فقال : معكم لكن الاثنين أقل الجمع على ما ذهب إليه بعض الأئمة أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه ، ويجوز أن يكون المراد هما مع بني إسرائيل ، و معكم و مستمعون خبران لإن ، أو الخبر { مستمعون } ، و معكم متعلق به ، ولا يخفى ما في المعية من المجاز : لأن المصاحبة من صفات الأجسام ، فالمراد معية النصرة والمعونة .

{ فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، ووحد الرسول هنا ولم يثنه كما في قوله : { إنا رسولا ربك } [ طه : 47 ] لأنه مصدر بمعنى رسالة ، والمصدر يوحد ، وأما إذا كان بمعنى المرسل فإنه يثنى مع المثنى ويجمع مع الجمع ، قال أبو عبيدة : ( رسول ) بمعنى رسالة ، والتقدير على هذا : إنا ذوا رسالة رب العالمين ، ومنه قول الشاعر : ألا أبلغ أبا عمرو رسولا فإني عن فتاحتكم غني

أي : رسالة .

وقال العباس بن مرداس : ألا من مبلغ عني خفافا رسولا بيت أهلك منتهاها

أي : رسالة .

قال أبو عبيدة - أيضا ويجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع ، تقول العرب : هذا رسولي ووكيلي ، وهذان رسولي ووكيلي ، وهؤلاء رسولي ووكيلي ، ومنه قوله - تعالى : { فإنهم عدو لي } [ الشعراء : 77 ] وقيل : معناه : إن كل واحد منا رسول رب العالمين ، وقيل : إنهما لما كانا متعاضدين ومتساندين في الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد .

و ( أن ) في قوله : { أن أرسل معنا بني إسرائيل } مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول .

{ قال ألم نربك فينا وليدا } أي : قال فرعون لموسى بعد أن أتياه وقالا له ما أمرهما الله به ، ومعنى فينا أي : في حجرنا ومنازلنا ، أراد بذلك المن عليه والاحتقار له ، أي : ربيناك لدينا صغيرا ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال { ولبثت فينا من عمرك سنين } فمتى كان هذا الذي تدعيه ؟ قيل : لبث فيهم ثماني عشرة سنة ، وقيل : ثلاثين سنة ، وقيل : أربعين سنة ، ثم قرر بقتل القبطي ، فقال : { وفعلت فعلتك التي فعلت } الفعلة بفتح الفاء : المرة من الفعل ، وقرأ الشعبي " فعلتك " بكسر الفاء ، والفتح أولى لأنها للمرة الواحدة لا للنوع ، والمعنى : أنه لما عدد عليه النعم ذكر له ذنوبه ، وأراد بالفعل قتل القبطي ، ثم قال { وأنت من الكافرين } أي : من الكافرين للنعمة حيث قتلت رجلا من أصحابي ، وقيل : المعنى : من الكافرين بأن فرعون إله ، وقيل : من الكافرين بالله في زعمه لأنه كان معهم على دينهم ، والجملة في محل نصب على الحال .

{ قال فعلتها إذا وأنا من الضالين } أي : قال موسى مجيبا لفرعون : فعلت هذه الفعلة التي ذكرت ، وهي قتل القبطي وأنا إذ ذاك من الضالين أي : الجاهلين ، فنفى - عليه السلام - عن نفسه الكفر ، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن يأتيه العلم الذي علمه الله ، وقيل : المعنى : من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ القتل ، وقال أبو عبيدة : من الناسين .

{ ففررت منكم لما خفتكم } أي : خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة القصص { فوهب لي ربي حكما } أي : نبوة أو علما وفهما ، وقال الزجاج : المراد بالحكم تعليمه التوراة التي فيها حكم الله .

{ وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } قيل : هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها علي ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي ، وبهذا قال الفراء ، وابن جرير .

وقيل : هو من موسى على جهة الإنكار أي : أتمن علي بأن ربيتني وليدا وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم وهم قومي ؟

قال الزجاج : المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار : بأن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى ، واللفظ لفظ خبر ، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى : أنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم ، فكأنك تمن علي ما كان بلاؤك سببا له ، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه .

وقال المبرد : يقول التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبيد : أي : تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي .

وقيل : إن في الكلام تقدير الاستفهام أي : أو تلك نعمة ؟ قاله الأخفش ، وأنكره النحاس .

قال الفراء : ومن قال إن الكلام إنكار قال معناه : أو تلك نعمة ؟ ومعنى { أن عبدت بني إسرائيل } أن اتخذتهم عبيدا ، يقال : عبدته وأعبدته بمعنى ، كذا قال الفراء ، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من نعمة ، والجر بإضمار الباء ، والنصب بحذفها . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس { فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال : ذليلين .

وأخرج ، عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة { ولهم علي ذنب } قال : قتل النفس .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } قال : للنعمة ، إن فرعون لم يكن ليعلم ما الكفر ؟ ، وفي قوله : { فعلتها إذا وأنا من الضالين } قال : من الجاهلين .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد { أن عبدت بني إسرائيل } قال : قهرتهم واستعملتهم .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1053 - 1055
counter free hit invisible