<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام

( { كذبت قوم نوح المرسلين } { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } { إني لكم رسول أمين } { فاتقوا الله وأطيعون } { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } { فاتقوا الله وأطيعون } { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } { قال وما علمي بما كانوا يعملون } { إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } { وما أنا بطارد المؤمنين } { إن أنا إلا نذير مبين } { قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين } { قال رب إن قومي كذبون } { فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين } { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } { ثم أغرقنا بعد الباقين } { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } )? .

قوله تعالى : ( { كذبت قوم نوح المرسلين } { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } { إني لكم رسول أمين } { فاتقوا الله وأطيعون } { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } { فاتقوا الله وأطيعون } { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } { قال وما علمي بما كانوا يعملون } { إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } { وما أنا بطارد المؤمنين } { إن أنا إلا نذير مبين } { قالوا لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين } { قال رب إن قومي كذبون } { فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين } { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } { ثم أغرقنا بعد الباقين } { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ) .

اعلم أنه تعالى لما قص على محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وإبراهيم تسلية له فيما يلقاه من قومه قص عليه أيضا نبأ نوح عليه السلام ، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره ؛ لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، ومع ذلك كذبه قومه فقال : ( { كذبت قوم نوح } ) وإنما قال " كذبت " لأن القوم مؤنث وتصغيرها قويمة ، وإنما حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين :

أحدهما : أنهم وإن كذبوا نوحا لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره ؛ لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف فمن حيث المعنى حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين .

وثانيهما : أن قوم نوح كذبوا بجميع رسل الله تعالى ، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة .

وأما قوله : ( { أخوهم } ) فلأنه كان منهم ، من قول العرب يا أخا بني تميم يريدون يا واحدا منهم ، ثم إنه سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولا خوفهم ، وثانيا أنه وصف نفسه ، أما التخويف فهو قوله : ( { ألا تتقون } ) .

واعلم أن القوم إنما قبلوا تلك الأديان للتقليد والمقلد إذا خوف خاف ، وما لم يحصل الخوف في قلبه لا يشتغل بالاستدلال ، فلهذا السبب قدم على جميع كلماته قوله : ( { ألا تتقون } ) . وأما وصفه نفسه فذاك بأمرين :

أحدهما : قوله : ( { إني لكم رسول أمين } ) وذلك لأنه كان فيهم مشهورا بالأمانة كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش فكأنه قال : كنت أمينا من قبل ، فكيف تتهموني اليوم ؟

وثانيهما : قوله : ( { وما أسألكم عليه من أجر } ) أي على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة لئلا يظن به أنه دعاهم للرغبة ، فإن قيل : ولماذا كرر الأمر بالتقوى ؟ جوابه : لأنه في الأول أراد ( { ألا تتقون } ) مخالفتي وأنا رسول الله ، وفي الثاني : ( { ألا تتقون } ) مخالفتي ولست آخذ منكم أجرا فهو في المعنى مختلف ولا تكرار فيه ، وقد يقول الرجل لغيره : ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرا ! ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرا ، وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته ، لأن تقوى الله علة لطاعته فقدم العلة على المعلول ، ثم إن نوحا عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم : ( { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ) .

قال صاحب " الكشاف " : وقرئ " وأتباعك الأرذلون " جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد في ( { واتبعك } ) وقد جمع أرذال على الصحة وعلى التكسير في قولهم : ( { الذين هم أراذلنا } ) [ هود : 27 ] والرذالة الخسة ، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل : كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة .

واعلم أن هذه الشبهة في نهاية الركاكة ، لأن نوحا عليه السلام بعث إلى الخلق كافة ، فلا يختلف الحال في ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب ودناءتها ، فأجابهم نوح عليه السلام بالجواب الحق وهو قوله : ( { وما علمي بما كانوا يعملون } ) وهذا الكلام يدل على أنهم نسبوهم مع ذلك إلى أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة ، وإنما آمنوا بالهوى والطمع كما حكى الله تعالى عنهم في قوله : ( { الذين هم أراذلنا بادي الرأي } ) [ هود : 27 ] ثم قال : ( { إن حسابهم إلا على ربي } ) معناه لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى ، ولما قال : ( { إن حسابهم إلا على ربي } ) وكانوا لا يصدقون بذلك أردفه بقوله : ( { لو تشعرون } ) ثم قال : ( { وما أنا بطارد المؤمنين } ) وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم لكي يتبعوه أو ليكونوا أقرب إلى ذلك ، فبين أن الذي يمنعه عن طردهم أنهم آمنوا به ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة يمنع من ذلك بقوله : ( { إن أنا إلا نذير مبين } ) والمراد إني أخوف من كذبني ولم يقبل مني ، فمن قبل فهو القريب ، ومن رد فهو البعيد ، ثم إن نوحا عليه السلام لما تمم هذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد ، فقالوا : ( { لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين } ) والمعنى أنهم خوفوه بأن يقتل بالحجارة ، فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم ، وقال : ( { رب إن قومي كذبون } { فافتح بيني وبينهم فتحا } ) وليس الغرض منه إخبار الله تعالى بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم ، ولكنه أراد : إني لا أدعوك عليهم لما آذوني ، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك ( { فافتح بيني وبينهم } ) أي فاحكم بيني وبينهم ، والفتاحة الحكومة ، والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق ، والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة عليهم لأنه قال عقبه : ( { ونجني } ) ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى ، وقد تقدم القول في قصته مشروحا في سورة الأعراف وسورة هود .

ثم قال تعالى : ( { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } ) قال صاحب " الكشاف " : الفلك السفينة وجمعه فلك قال تعالى : ( { وترى الفلك فيه مواخر } ) [ فاطر : 12 ] فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد والمشحون المملوء يقال : شحنها عليهم خيلا ورجالا ، فدل ذلك على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة ، وأن الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم ، وبين تعالى أنه بعد أن أنجاهم أغرق الباقين وأن إغراقه لهم كان كالمتأخر عن نجاتهم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 24-24 , الصفحة 133 - 134
counter free hit invisible