<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { فيقولوا هل نحن منظرون } { أفبعذابنا يستعجلون } { أفرأيت إن متعناهم سنين } { ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } { ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } { ذكرى وما كنا ظالمين } ) .

قوله تعالى : ( { فيقولوا هل نحن منظرون } { أفبعذابنا يستعجلون } { أفرأيت إن متعناهم سنين } { ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } { ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } { ذكرى وما كنا ظالمين } ) .

اعلم أنه تعالى لما بين أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ، وأنه يأتيهم العذاب بغتة أتبعه بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة فقال : ( { فيقولوا هل نحن منظرون } ) كما يستغيث المرء عند تعذر الخلاص ، لأنهم يعلمون في الآخرة أن لا ملجأ ، لكنهم يذكرون ذلك استرواحا .

فأما قوله تعالى : ( { أفبعذابنا يستعجلون } ) فالمراد أنه تعالى بين أنهم كانوا في الدنيا يستعجلون العذاب ، مع أن حالهم عند نزول العذاب طلب النظرة ليعرف تفاوت الطريقين فيعتبر به ، ثم بين تعالى أن استعجال العذاب على وجه التكذيب إنما يقع منهم ليتمتعوا في الدنيا ، إلا أن ذلك جهل ، وذلك لأن مدة التمتع في الدنيا متناهية قليلة ، ومدة العذاب الذي يحصل بعد ذلك غير متناهية ، وليس في العقل ترجيح لذات متناهية قليلة على آلام غير متناهية ، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف ، فقال له : عظني ، فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال ميمون : لقد وعظت فأبلغت ، وقرئ " يمتعون " بالتخفيف ، ثم بين أنه لم يهلك قرية إلا وهناك نذير يقيم عليهم الحجة .

أما قوله تعالى : ( { ذكرى } ) فقال صاحب " الكشاف " : ذكرى منصوبة بمعنى تذكرة ، إما لأن أنذر وذكر متقاربان ، فكأنه قيل : مذكرون تذكرة ، وإما لأنها حال من الضمير في " منذرون " ، أي ينذرونهم ذوي تذكرة ، وإما لأنها مفعول له على معنى أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة ، أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى ، والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى ، وجعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها ، ووجه آخر وهو أن يكون ذكرى متعلقة ب " أهلكنا " مفعولا له ، والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية قوما ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم ، ( { وما كنا ظالمين } ) فنهلك قوما غير ظالمين ، وهذا الوجه عليه المعول ، فإن قلت : كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ، ولم تعزل عنه في قوله : ( { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ) [ الحجر : 4 ] قلت : الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية ، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 24-24 , الصفحة 147
counter free hit invisible