<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وأنذر عشيرتك الأقربين } { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } { وتوكل على العزيز الرحيم } { الذي يراك حين تقوم } { وتقلبك في الساجدين } { إنه هو السميع العليم } ) .

قوله تعالى : ( { وأنذر عشيرتك الأقربين } { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } { وتوكل على العزيز الرحيم } { الذي يراك حين تقوم } { وتقلبك في الساجدين } { إنه هو السميع العليم } ) .

اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تسلية رسوله أولا ، ثم أقام الحجة على نبوته ثانيا ثم أورد سؤال المنكرين ، وأجاب عنه ثالثا ، أمره بعد ذلك بما يتعلق بباب التبليغ والرسالة وهو ههنا أمور ثلاثة :

الأول : قوله : ( { وأنذر عشيرتك الأقربين } ) وذلك لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعده إن دعا مع الله إلها آخر ، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب ، وذلك لأنه إذا تشدد على نفسه أولا ، ثم بالأقرب فالأقرب ثانيا ، لم يكن لأحد فيه طعن البتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع ، وروي " ( أنه لما نزلت هذه الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب وقال : يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، يا عباس عم محمد ، يا صفية عمة محمد ؛ إني لا أملك لكم من الله شيئا ، سلوني من المال ما شئتم ) " وروي " ( أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا على رجل شاة وقعب من لبن ، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس ، فأكلوا وشربوا ، ثم قال يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا ، أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ، فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) " .

الثاني : قوله : ( { واخفض جناحك } ) واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب ، فإن قيل المتبعون للرسول هم المؤمنون وبالعكس فلم قال : ( { لمن اتبعك من المؤمنين } ) ؟ جوابه : لا نسلم أن المتبعين للرسول هم المؤمنون فإن كثيرا منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين .

فأما قوله : ( { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ) فمعناه ظاهر ، قال الجبائي : هذا يدل على أنه عليه السلام كان بريئا من معاصيهم ، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضا بريء من عملهم كالرسول وإلا كان مخالفا لله ، كما لو رضي عمن سخط الله عليه لكان كذلك ، وإذا كان تعالى بريئا من عملهم فكيف يكون فاعلا له ومريدا له ؟ الجواب : أنه تعالى بريء من المعاصي بمعنى أنه ما أمر بها بل نهى عنها ، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم والدليل عليه أنه علم وقوعها ، وعلم أن ما هو معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع وإلا لانقلب علمه جهلا وهو محال والمفضي إلى المحال محال ، وعلم أن ما هو واجب الوقوع فإنه لا يراد عدم وقوعه فثبت ما قلناه .

والثالث : قوله : ( { وتوكل } ) والتوكل عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره ، وقوله : ( { على العزيز الرحيم } ) أي على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته ثم أتبع كونه رحيما على رسوله ما هو كالسبب لتلك الرحمة ، وهو قيامه وتقلبه في الساجدين وفيه وجوه :

أحدها : المراد ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال المجتهدين ليطلع على أسرارهم ، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه على ما يوجد منهم من الطاعات ، فوجدها كبيوت الزنابير لما يسمع منها من دندنتهم بذكر الله تعالى والمراد بالساجدين المصلين .

وثانيها : المعنى يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة ، وتقلبه في الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذ كان إماما لهم .

وثالثها : أنه لا يخفى عليه حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين .

ورابعها : المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه من قوله صلى الله عليه وسلم : " ( أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلفي ) " .

ثم قال : ( { إنه هو السميع } ) أي لما تقوله ( { العليم } ) أي بما تنويه وتعمله ، وهذا يدل على أن كونه سميعا أمر مغاير لعلمه بالمسموعات وإلا لكان لفظ "العليم" مفيدا فائدته . واعلم أنه قرئ " ونقلبك " .

واعلم أن الرافضة ذهبوا إلى أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين وتمسكوا في ذلك بهذه الآية وبالخبر ، أما هذه الآية فقالوا قوله تعالى : ( { وتقلبك في الساجدين } ) يحتمل الوجوه التي ذكرتم ويحتمل أن يكون المراد أن الله تعالى نقل روحه من ساجد إلى ساجد كما نقوله نحن ، وإذا احتمل كل هذه الوجوه وجب حمل الآية على الكل ضرورة أنه لا منافاة ولا رجحان ، وأما الخبر فقوله عليه السلام : " ( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) " وكل من كان كافرا فهو نجس لقوله تعالى : ( { إنما المشركون نجس } ) [ التوبة : 28 ] قالوا : فإن تمسكتم على فساد هذا المذهب بقوله تعالى : ( { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } ) [ الأنعام : 74 ] قلنا : الجواب عنه أن لفظ الأب قد يطلق على العم كما قال أبناء يعقوب له : ( { نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ) [ البقرة : 133 ] فسموا إسماعيل أبا له مع أنه كان عما له ، وقال عليه السلام : " ( ردوا علي أبي ) " يعني العباس ، ويحتمل أيضا أن يكون متخذ الأصنام أب أمه فإن هذا قد يقال له الأب قال تعالى : ( { ومن ذريته داود وسليمان } ) [ الأنعام : 84 ] إلى قوله : ( { وعيسى } ) [ الأنعام : 85 ] فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم كان جده من قبل الأم .

واعلم أنا نتمسك بقوله تعالى : ( { لأبيه آزر } ) وما ذكروه صرف للفظ عن ظاهره ، وأما حمل قوله : ( { وتقلبك في الساجدين } ) على جميع الوجوه فغير جائز لما بينا أن حمل المشترك على كل معانيه غير جائز ، وأما الحديث فهو خبر واحد فلا يعارض القرآن .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 24-24 , الصفحة 149
counter free hit invisible